فهم فيها متّكئون ، وهم والنّار كمن رآها فهم فيها معذّبون .
قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة « 1 » ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة « 2 » ، وأنفسهم عفيفة « 3 » ، ومؤونتهم من الدنيا عظيمة ، صبروا أيّاما قصارا أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة « 4 » مربحة يسّرها لهم ربّ كريم ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها .
أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا « 5 » ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم « 6 » ، ويهيج أحزانهم ، بكاء على ذنوبهم
هامش
( 1 ) « قلوبهم محزونة » حزن قلوبهم للخوف من العقاب ، لاحتمال التقصير وعدم شرائط القبول كما قال عزّ وجلّ :وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ[ سورة المؤمنون : 60 ] ، والأمن من شرورهم لأنّهم لا يهمّون بظلم أحد كما ورد في الخبر :
« المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » . ( بحار الأنوار : 67 : 321 ) .
( 2 ) « نحيفة » أي مهزولة لكثرة الصيام والسهر والرياضات ، أو للخوف ، أو لهما . وخفّة حاجاتهم لقلّة الرغبة في الدنيا ، وترك اتّباع الهوى ، وقصر الأمل ، وقناعتهم بما رزقهم اللّه .
( 3 ) العفّة : كفّ النفس عن المحرّمات ، بل عن الشبهات والمكروهات أيضا .
( 4 ) جملة « أعقبتهم » صفة للأيّام ، و « تجارة » عطف بيان للراحة ، أو بدل منه ، أو منصوب على المدح ، أو على الحال ، أو على تقدير فعل ، أي اتّجروا تجارة .
قال الراوندي رحمه اللّه : نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام ، وربح الرجل في تجارته - كعلم - ويسند إلى التجارة مجازا ، قال تعالى :فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ[ سورة البقرة :
16 ] . ( بحار الأنوار : 67 : 321 ) .
( 5 ) رتّل القرآن ترتيلا : أي أحسن تأليفه ، وعن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه : « حفظ الوقوف وأداء الحروف » ، وهو جامع لما يعتبره القراءة . ( بحار الأنوار : 67 : 323 ) .
( 6 ) الحزن : الهمّ ، وحزنه الأمر - كنصر - : أي جعله حزينا ، وحزن كعلم : أي صار حزينا ، وحزّنه تحزينا : جعل فيه حزنا ، وتحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر ، وأمّا آيات الوعد فللخوف من الحرمان ، وعدم الاستعداد . -