إلى دير مرّان « 1 » فنزل ، ونزل معه النّاس ، فاستقدم فصلّى بهم ، ثمّ قال : أيّها النّاس ، إنّي موصيكم بما ينفعكم ، وتارك الخطب والتشقيق ، أحمدوا اللّه عزّ وجلّ .
قالوا : الحمد للّه .
قال : أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله . فأجابوه بمثل ما قال .
فقال : أشهد أنّ البعث حقّ ، وأنّ الجنّة حقّ ، وأنّ النّار حقّ ، وأقرّ بما جاء من عند اللّه ، فاشهدوا عليّ بذلك .
قالوا : نحن على ذلك من الشاهدين .
قال : ليبشّر من مات منكم على هذه الخصال برحمة اللّه وكرامته ، ما لم يكن للمجرمين ظهيرا ، ولا لأعمال الظلمة مصلحا ، ولا لهم معينا .
أيّها النّاس ، أجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضبا للّه عزّ وجلّ إذا عصي في الأرض ، ولا ترضوا أئمّتكم بسخط اللّه ، وإن « 2 » أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم ، وأزرأوا عليهم ، وإن عذّبتم وحرمتم وسيّرتم حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ ، فإنّ اللّه أعلا وأجلّ لا ينبغي أن يسخط برضا المخلوقين ، غفر اللّه لي ولكم ، أستودعكم اللّه ، وأقرأ عليكم السّلام ورحمة اللّه .
فناداه النّاس أن سلّم اللّه عليك ورحمك يا أبا ذرّ ، يا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ألا نردّك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك ، ألا نمنعك ؟ « 3 »
فقال لهم : ارجعوا - رحمكم اللّه - فإنّي أصبر منكم على البلوى ، وإيّاكم والفرقة والاختلاف .
فمضى حتّى قدم على عثمان ، فلمّا دخل عليه قال له : « لا قرّب اللّه بعمرو عينا » .
فقال أبو ذر واللّه ما سمّاني أبواي عمرا ، ولكن لا قرّب اللّه من عصاه وخالف أمره ، وارتكب هواه .
هامش
( 1 ) دير مرّان - بضمّ أوّله - تثنية مرّ : بالقرب من دمشق على تلّ مشرف على مزارع الزعفران . ( مراصد الاطّلاع : 2 : 579 ) .
( 2 ) في نسخة : « وإذا » .
( 3 ) في نسخة : « إنّا لا نردّك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك ولا نمنعك » .