خرجت حاجّا في سنة تسع وأربعين ومئة فنزلت القادسيّة « 1 » وإذا بشابّ حسن الوجه ، شديد السّمرة ، عليه ثوب صوف ، مشتمل بشملة ، في رجليه نعلان ، وقد جلس منفردا عن النّاس ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصّوفيّة ، يريد أن يكون كلّا على النّاس ، فو اللّه لأمضينّ إليه ولأوبخنّه ، فدنوت منه ، فلمّا رآني مقبلا قال : « يا شقيق ،
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
» « 2 » الآية ، فقلت في نفسي : هذا عبد صالح « 3 » قد نطق على ما في خاطري لألحقنّه ولأسألنّه أن يحالّني ، فغاب عن عيني .
فلمّا نزلنا واقصة « 4 » إذا به يصلّي وأعضاؤه تضطرب ، ودموعه تتحادر ، فقلت :
أمضي إليه وأعتذر « 5 » ، فأوجز في صلاته وقال « 6 » : « يا شقيق ،
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
» « 7 » ، فقلت : هذا من الأبدال « 8 » ، قد تكلّم على سرّي مرّتين .
فلمّا نزلنا زبالة « 9 » إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء ، فسقطت الرّكوة في البئر ، فرفع طرفه إلى السّماء وقال : « أنت ربّي إذا ظمئت إلى الماء ، وقوتي
هامش
( 1 ) ش ون : بالقادسيّة .
( 2 ) الحجرات : 49 / 12 .
( 3 ) خ : رجل صالح .
( 4 ) واقصة : منزل بطريق مكّة بعد القرعاء نحو مكّة وقبل العقبة ، وهي دون زبالة بمرحلتين .
( معجم البلدان ) .
( 5 ) ج وش : فأعتذر .
( 6 ) أو ج وم ون : ثمّ قال . ش : فقال .
( 7 ) طه : 20 / 82 .
( 8 ) الأبدال : قوم من الصّالحين لا تخلو الدّنيا منهم ، سمّوا بذلك لأنّهم كلّما مات واحد منهم أبدل اللّه مكانه آخر .
انظر النّهاية 1 / 107 ، ومجمع البحرين 5 / 319 : « بدل » .
( 9 ) زبالة : منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة ، وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثّعلبيّة .
( معجم البلدان ) . وفي النّسخ : زبالا .