وذكر ابن حمدون في كتاب التّذكرة « 1 » عن الزّهري ، قال : حمل عبد الملك بن مروان عليّ بن الحسين مقيّدا من المدينة فأثقله حديدا ، ووكّل به حفظة ، قال :
فاستأذنتهم في وداعه ، فأذنوا ، فدخلت عليه والقيود في رجليه ؛ والغلّ في يديه ، وهو في قبّة ، فبكيت وقلت : وددت أنّي مكانك وأنت سالم ، فقال :
« يا زهري ، أتظنّ أنّ ما ترى عليّ وفي عنقي يكرثني ؟ « 2 » أما لو شئت لما كان ، وأنّه ليذكّرني عذاب اللّه » ، ثمّ أخرج رجليه من القيد ويديه من الغلّ ، ثمّ قال : « لا جزت معهم على ذا ميلين من المدينة » .
قال : فما مضت إلّا أربع ليال وإذا قد قدم الموكّلون الذين كانوا معه إلى المدينة يطلبونه فما وجدوه ، فسألت بعضهم فقالوا : إنّا نراه متبوعا ، إنّه لنازل ونحن حوله نرصده ، إذ طلع الفجر فلم نجده ووجدنا حديده .
قال الزّهري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عنه فأخبرته ، فقال : قد جاءني يوم فقده الأعوان ، فدخل عليّ فقال : « ما أنا وأنت ؟ » فقلت : أقم عندي ، قال :
« لا أحبّ » ، ثمّ خرج ، فو اللّه لقد امتلأ قلبي منه خيفة .
هامش
( 1 ) ابن حمدون ، هو أبو المعالي محمّد بن أبي سعد الحسن بن محمّد بن عليّ بن حمدون الكاتب الملقّب كافي الكفاة بهاء الدّين البغدادي ، كان فاضلا ذا معرفة تامّة بالأدب والكتابة . . . وصنّف كتاب « التّذكرة » وهو من أحسن المجاميع ، يشتمل على التّاريخ والأدب والنّوادر والأشعار . . . وكانت ولادة ابن حمدون في سنة 495 ، وتوفّي في سنة 562 . ( وفيات الأعيان لابن خلّكان 4 / 380 رقم 654 ) .
والحديث رواه ابن حمدون في الحديث 210 من التّذكرة الحمدونيّة 1 / 109 مع مغايرات لفظيّة .
ورواه أيضا أبو نعيم في ترجمته عليه السّلام من حلية الأولياء 3 / 135 رقم 235 ، وابن عساكر في ترجمته عليه السّلام من تاريخ دمشق ص 31 رقم 42 ، وابن شهرآشوب في ترجمته من مناقب آل أبي طالب 4 / 144 في عنوان :
« فصل : في معجزاته » عن حلية الأولياء ووسيلة الملّا وفضائل أبي السّعادات ، والإربلي في ترجمته من كشف الغمّة 2 / 288 عن مطالب السؤول ، والكنجي في ترجمته من كفاية الطّالب ص 448 ، وابن الجوزي في ترجمته من حوادث سنة 94 من المنتظم 6 / 330 رقم 530 .
( 2 ) ب : يكربني . ومثله في المصدر .
كرثه الأمر كرثا : اشتدّ عليه وبلغ منه المشقّة . ( المعجم الوسيط ) .