الكامل والأشرف اللّذين وافقا على تلك الصّفقة الشّائنة .
وكان أبو المظفّر قد أرضى ضميره حين جهر بالحقّ ؛ ولكن زاوية في نفسه كان يتسلّل بين الحين والحين شعور مؤرّق ، ولم يكن ذلك خوفا على حياته من الأذى أو على راحته من التّنغيص ، بل كان إحساسا بالحياء أمام صديق له أياد جمّة عليه ، فأصبح الرّحيل عن دمشق أمرا حتميّا ؛ فوجد أبو المظفّر نفسه يوجّه ركائبه نحو الكرك في سنة 626 ه ، حيث صاحبه النّاصر داود الذي حرّضه على تلك الفتوى ، وقد امتدّت إقامته هنالك حتى سنة 633 ه .
واستمرّت به الحياة يعقد مجالس الوعظ ، ويتابع جهوده في حضّ العاصين على التّوبة ، وكان إذا شاء أن يكسر من رتابة تلك الحياة تردّد إلى القدس ونابلس ، وفي هذين البلدين أيضا يعقد مجالس الوعظ والإرشاد ، وفي هذه الفترة تعرّف في القدس إلى الشّيخ عبد اللّه الأرمني العابد الورع المجاهد ، فأصبحا صديقين ، وكان الشّيخ عبد اللّه لا ينقطع عن حضور مجالس السّبط إلّا لعذر .
وفي هذه الفترة أيضا كان نجم الدّين أيّوب محبوسا لدى النّاصر صاحب الكرك ، فأقام في حبسه سبعة أشهر ، فأطلقه النّاصر ، واجتمع به أبو المظفّر في القدس وتحدّثا ، ثمّ جرت أسباب أدّت إلى مغادرة الكرك .
وكانت تلك السّنوات كفيلة بفتور غضب الأشرف على تلك الفتوى ، واستقواء حنينه إلى صديقه القديم ، ولهذا فإنّه ما إن سمع بعودة السّبط ( سنة 633 ه ) حتّى ذهب لزيارته وأحسن إليه ، ولأوّل عودة السّبط عقد مجلسا في جامع التّوبة ليلة عرفة ، وحضر الأشرف المجلس وبكى ، وأعتق مماليكه وجواريه ، وقال لأبي المظفّر : قد رجع الحقّ إلى نصابه ، ومثلك يصلح أن يكون في خرائب نابلس والقدس والكرك ، واللّه إنّ دمشق تغار عليك أن تكون في غيرها .
ومرض الأشرف أواخر سنة 634 ه ، وكان أبو المظفّر يزوره كلّ يوم هو
تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة ( ط المجمع العالمي ) — صفحة 17
مساهمون: سبط ابن الجوزي
ص١٧