وتفضيله إيّاهم ؛ إذ كانوا معدن الرسالة ، ومظانّ الحكمة ، وأهل بيت النبوّة ، وكان شرفهم على سائر الناس كشرف الجمع على سائر الأيّام ، والشمس على الكواكب ، وليلة القدر على سائر الليالي ، وبقعة الحرم على سائر البقاع ، تفضّلا من اللّه سبحانه ورحمة ، وجودا وكرما ، وله الحمد والشكر على ذلك دائما كما هو أهله ووليّه ، ومستحقّه ومستوجبه .
وبدأنا في ذلك بذكر أخبار سيّد المسلمين ، ويعسوب المؤمنين عليّ بن أبي طالب ع ، ثمّ بذكر أخبار أولاده ، ومحاسن أقوالهم ، وما يصحّ من غرر أشعارهم « 1 » ، غير ضامنين استيفاء جميع ذلك والإتيان عليه ؛ لأنّه أكثر من قطر الأمطار ونبات الأرض في جميع الأقطار ، ولا متعرّضين لخطبه وأحكامه وقضاياه ؛ إذ كانت أغزر وأكثر وأجلّ من أن يوصف كنهها ، ويبلغ آخرها ، فلو لم تكن له إلّا خطبته المشهورة من شنشنته « 2 » المذكورة التي ارتجلها ارتجالا ، وقالها بديهة ، من غير رويّة سبقت ، ولا فكرة سلفت ، لكفى ذلك « 3 » وأغنى .
[ علمه بالقضاء وحكمه ]
ولو لم يشتهر من قضاياه وأحكامه وعلمه ولطفه إلّا
حكمه في رجل أصابته ضربة على رأسه ، فضعف منها بصر إحدى عينيه ، فاشتبه على الحكّام وجلّة الصحابة ، ودقّ وغمض وجه الحكومة وقدر الأرش والدية ، فأمر أمير المؤمنين ع الرجل أن يرمي ببصره الصحيح إلى أبعد مداه ، وعرف مقدار ذلك ، ثمّ أمره أن ينظر بالعين السقيمة ، ويقبض على الصحيحة ، فألزمه من الدية بمقدار ما عجز عنه من مدى الصحيحة « 4 » .
وقد قيل : إنّه اعتبر ذلك بالبيضة المخطوطة عليها .
هامش
( 1 ) . ويستفاد من كلام المصنّف هنا أنّه أراد أن يؤلّف - أو ألّف - في كلم سائر أئمّة أهل البيت عليهم السّلام مثل هذا الكتاب .
( 2 ) . هذه اللفظة غير واضحة ، وربّما قرئت : « مقاماته » .
( 3 ) . انظر خطبته « المونقة » وكثرة مصادرها في المختار ( 20 ) من نهج السعادة 1 : 98 ، ط 3 .
( 4 ) . حذف جواب « لو » الشرطية جوازا ؛ وذلك لدلالة السياق عليه .