فلمّا كان من الغد جلس معاوية على السرير ، وأمر بكرسيّ ، فوضع بين يديه ، ووضع قدميه عليه ، وأجلس معه الضحّاك بن قيس الفهريّ على السرير ، ثمّ أذن للناس ، فدخل عقيل آخر القوم ، فلم ير لنفسه مكانا يجلس فيه ، فقال : يا معاوية ! ارفع رجلك عن هذا الكرسيّ ، فرفع رجله وقعد عليه ، ثمّ قال له : من هذا الذي معك على السرير ؟ فقال : الضحّاك بن قيس ، فقال عقيل : هذا ابن من كان يخصي بهما بالأبطح ، قد كان أبوه يجيد خصي البهم !
فقال الضحّاك : إنّك لتعلم أنّي عالم بأنساب قريش ، ولكنّك أعلم بمساوئها منّي .
فلمّا كان من الغد بعث معاوية إلى ابن عضاه الأشعري ، فأقعده معه على السرير ، وأذن للناس ، فدخلوا عليه ، وأخذوا مجالسهم ، ثمّ بعث إلى عقيل ، فدخل إليه ولم ير لنفسه مجلسا ، فقال : يا معاوية ، ارفع رجلك عن الكرسيّ ، فرفعها عنه ، فقعد عليه ، ثمّ قال : من هذا الذي معك على السرير ؟ قال : هذا عبد اللّه بن عضاه الأشعري ، فقال :
هذا ابن مرّاقتنا ، لقد كانت أمّه طيّبة المرقة !
فلمّا كان [ ال ] يوم الثالث أمر الناس بالدخول ، وأمر عمرو بن العاص بالجلوس معه على السرير ، وأنشأ [ عمرو بن العاص ] يقول :
إنّ السرير على الكرام يحرّم * ما دام عندك في البلاد عقيل
فاخصص به من لا يزال مفاخرا * يأتي عليك بفعله ويطول
فاخدع سوانا بالسرير فإنّه * بئس الخبا فما إليه سبيل
ثمّ إنّ عقيلا قال : اقض ديني ، قال : وكم دينك ؟ قال : مئة ألف درهم ، قال : قد فعلت ، فأمر له بها . ثمّ قال : كيف رأيتني وأخاك ؟ فقال : أمّا عليّ فشرّ لي ، وخير لنفسه ، وأمّا أنت فخير لي ، وشرّ لنفسك ! !
فقال معاوية : يا أهل الشام ، أتعرفون هذا ؟ هذا ابن أخي أبي لهب ، لعن اللّه أبا لهب ! فقال عقيل : يا أهل الشام ، هذا ابن أخي أمّ جميل حمّالة الحطب التي
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
، فالعنوها لعنها اللّه .