الثاني : الاجتماع الحقيقي ، وهو اجتماع عنوانين في فعل واحد ، أحدهما متعلّق الأمر والآخر متعلق النهي ، مثل الصلاة في المكان المغصوب ، فاجتمع الغصب والصلاة في فعل واحد . وهو محلّ النزاع في مسألتنا .
والمراد بالجواز هو الإمكان العقلي لا الجواز المقابل للقبح « 1 » .
قيد المندوحة
معنى المندوحة السعة ، وقد وقع البحث في أخذ قيد المندوحة في محلّ النزاع وعدمه ، فهل يشترط في جريان النزاع كون المكلّف قادراً على امتثال الأمر خارج المكان المغصوب ، أم أنّ النزاع يعمّ حتى مورد عدم تمكن المكلّف من امتثال الأمر خارجاً ؟
فذهب إلى اشتراط قيد المندوحة كلٌّ من الأصفهاني « 2 » والحائري « 3 » والمظفر « 4 » ، وعليه تحمل كلمات القدماء وتعبيرهم بكون ( الاتحاد باختيار المكلّف ) « 5 » ، أو عبارة :
« إنّما جاء الاتحاد من جهة اختيار المكلّف » « 6 » ؛ لأنّه مع عدم وجود المندوحة والسعة لا يكون التكليف فعليّاً في حق المكلّف ، ويلزم منه التكليف بغير المقدور ؛ لعدم إمكان امتثال كلٍّ من الأمر والنهيّ معاً ، وفي مثله يجري عليه أحكام التزاحم « 7 » .
بينما ذهب كلّ من الشهرستاني « 8 » والآخوند الخراساني « 9 » والنائيني « 10 » والخميني « 11 » والخوئي « 12 » إلى عدم اشتراط قيد المندوحة ، باعتبار أنّ قيد المندوحة إنّما يتعلّق بعالم الامتثال وقدرة المكلّف على الإتيان بكلا التكليفين ، بينما البحث في مسألة « اجتماع الأمر والنهي وعدمه » في عالم المبادئ ، وبقطع النظر عن عالم الامتثال ، والبحث في إمكان أن يتعلّق الأمر والنهي بشيء واحد مع تعدّد الجهة والعنوان ، ولا علاقة لهذا بقيد المندوحة « 13 » .
ثالثاً : الحكم
لا خلاف بين أكثر الأصوليين في تضاد الأحكام وتمانعها ، وعدم جواز اجتماعها في شيء واحد ، فلا يجوز أن يكون شيء واحد مورداً للأمر والنهي معاً ، ولا يجوز أن يكون واجباً وحراماً في آنٍ واحد « 14 » .
وعلى هذا الأساس ، وقع البحث فيما إذا اختلف متعلقا الأمر والنهي بالعنوان وأمكن انفكاك جهتيهما ، فهل أنّ ذلك يوجب دفع محذور التضاد ، أم أنّ ذلك لا يدفعه ؟
ويفرض البحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي في مقامين :
المقام الأول :
فرض وجود المندوحة والسعة ، فلو قدّر أنّ المكلّف كان قادراً على امتثال الأمر بالصلاة في المكان المباح ، لكنه لم يعمل بذلك وأتى بالصلاة في
هامش
( 1 ) . غاية المسؤول في علم الأصول : 295 .
( 2 ) . الفصول الغروية : 124 .
( 3 ) . درر الفوائد 1 - 2 : 148 .
( 4 ) . أصول الفقه 1 - 2 : 383 - 384 .
( 5 ) . انظر : شرح مختصر المنتهى 2 : 212 ، تيسير التحرير 2 : 222 .
( 6 ) . البحر المحيط 1 : 268 .
( 7 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 384 .
( 8 ) . غاية المسؤول في علم الأصول : 297 .
( 9 ) . كفاية الأصول : 153 .
( 10 ) . أجود التقريرات 2 : 127 .
( 11 ) . مناهج الوصول 2 : 113 - 114 .
( 12 ) . مصباح الأصول 1 ق 2 : 172 .
( 13 ) . كفاية الأصول : 153 ، وانظر : منتهى الدراية 3 : 121 - 122 .
( 14 ) . انظر : شرح مختصر الروضة 1 : 359 ، بحوث في علم الأصول ( عبدالساتر ) 6 : 325 .