محظوراً ؛ لخروج المكلّف بذلك عن زي العبودية ، بخلافه في المسألة الثانية ، فإنّ المكلّف لا يعاقب على مخالفة الاشتغال إلّاإذا كان ملزماً بالتكليف واقعاً « 1 » .
وبهذه الفروق الثلاثة بين المسألتين يتضح عدم صحة المقايسة بينهما ، ولا الاستدلال بإحداهما على الأُخرى ، إذ لا تلازم بين القول بالإباحة والقول بالبراءة ، ولا بين القول بالحظر والقول بالاحتياط .
نعم ، من قال في المسألة الأولى بالحظر عليه إقامة الدليل على انقلاب الأصل إلى البراءة في الثانية ، بخلاف من قال بالإباحة في الأولى فهو في فسحة عن إقامة الدليل على البراءة « 2 » .
الأقوال في الإباحة الأصلية
اختلف الأصوليون في حكم الأشياء قبل الشرع على عدة آراء :
الرأي الأول :
الإباحة ، وهو مختار المعتزلة البصريون « 3 » ، وأصحاب أبي حنيفة « 4 » ، وطائفة من فقهاء الشافعية « 5 » ، وجماعة من الحنابلة « 6 » ، وأكثر الإمامية « 7 » ، وقيل :
إنّها من دين الإمامية « 8 » .
واستدلوا لها بالأدلة التالية :
الدليل الأول : أنّه لو كانت في هذه الأفعال مضرة لوجب على اللطيف الحكيم إرشاد الناس إليها وتحذيرهم منها « 9 » .
وأورد عليه بأنّ وجوب الإرشاد على اللَّه تعالى مرفوض بعد اتضاح طريقة العقلاء في الطاعة والعصيان ، وما ينبغي أن يفعلونه في هذا المجال من تجنب محتمل الضرر ؛ لكونه كمقطوعه « 10 » .
الدليل الثاني : أنّ اللَّه خلق الأشياء ليعيش عليها عباده ويتلذذ بها خلقه فلا بدّ أن تكون مباحة « 11 » ، وإلّا لزم أن يكون ما فعله عبثاً ، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً « 12 » .
وأورد عليه بأ نّه قد تكون هناك فوائد مترتبة على هذه الأشياء ليست عقولنا قادرة على إدراكها « 13 » .
الدليل الثالث : هو أنّ ضرورة العقل قاضية بالإباحة بعد فقدان أي دليل على الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الاستحباب ، إذ لا يبقى إلّااحتمال الإباحة ؛ لعدم خلو أي واقعة من حكم من أحكام اللَّه تعالى « 14 » .
وأورد عليه - مضافاً إلى ما تقدم من أنّ العقل ليس من شأنه إلّاتشخيص الحسن والقبح ، وليس بإمكانه إصدار الأحكام - أنّه لا دليل معتبر على عدم خلو كلّ واقعة من
هامش
( 1 ) . نهاية الدراية 4 : 128 .
( 2 ) . فوائد الأصول 3 : 328 - 329 ، نهاية الأفكار 3 : 199 .
( 3 ) . المعتمد 2 : 315 ، ونسبه إليهم في اللمع : 246 ، والمحصول ( الرازي ) 1 : 47 ، ونهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 1 : 139 .
( 4 ) . نسبه إليهم في اللمع : 246 ، والمحصول ( الرازي ) 1 : 47 .
( 5 ) . تيسير التحرير 2 : 172 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 47 .
( 6 ) . نقل ذلك عنهم أبو يعلى في العدّة في أصول الفقه 2 : 260 ، والدكتور عبد الكريم النملة في إتحاف ذوي البصائر 1 : 411 .
( 7 ) . انظر : الذريعة 2 : 809 ، تهذيب الوصول : 55 ، مبادئ الوصول : 87 ، القوانين المحكمة : 255 .
( 8 ) . نقله عن الصدوق في فرائد الأصول 2 : 43 ، وانظر : الاعتقادات : 114 .
( 9 ) . نقله الطوسي عن القائلين بالإباحة في العدّة في أصول الفقه 2 : 746 - 747 .
( 10 ) . الذريعة 2 : 810 - 811 ، العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 747 .
( 11 ) . الحاشية على كفاية الأصول 2 : 219 .
( 12 ) . الذريعة 2 : 819 ، المعتمد 2 : 320 - 321 ، التمهيد في أصول الفقه 4 : 280 ، معارج الأصول : 204 - 205 .
( 13 ) . مطارح الأنظار 2 : 413 .
( 14 ) . الفصول الغروية : 347 .