حكى ذلك عن أكثر أصحاب أبي حنيفة « 1 » ، ومنهم من نسبه إلى جمهور أهل العلم « 2 » .
واستدلّ المجوّزون بوجوه :
الأول : ما يرجع إلى رفع استحالته عقلًا
ظهر ممّا تقدم أنّ الوجوه الدالة على استحالته عقلًا مبنية على مسلك الفناء في حقيقة الاستعمال ، ومن البديهي أنّ من أنكر هذا المسلك وقال بمسلك العلامية ، لا يرى مانعاً من استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد ، على ما صرّح به القائلون بمسلك الفناء كالمحقّق الخراساني وغيره .
فعمدة استناد المجوّزين رفع استحالته عقلًا ، تمسّكاً بمسلك العلامية ، حيث لا مانع من كون شيء علامة للمعنيين « 3 » ، كما صرّح بذلك السيد الخوئي ، وذهب إلى جوازه بناءً على مسلك التعهّد في حقيقة الوضع ؛ لأنّ الاستعمال ليس إلّافعلية ذلك التعهّد وجعل علامة لإبراز ما قصد المتكلم تفهيمه ، ولا مانع حينئذٍ من جعله علامة لإرادة المعنيين المستقلين ، فاللفظ على هذا المسلك ليس إلّا علامة لإبراز ما في أفق النفس ، حيث قد يكون معنىً واحداً ، فاللفظ علامة لإبرازه .
وقد يكون المعنيان على النحو المجموعي أو على نحو البدل ، وقد يكونان مستقلين ، فلا مانع من جعل اللفظ علامة على الجميع ، وحينئذٍ فالوضع لا يقتضي إلّاالتكلم بلفظ خاص عند قصد المتكلم تفهيم معنى مخصوص في أفق النفس وجعله علامة لإبرازه خارجاً .
ومنه يظهر أنّ تفسير الوضع باعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له ، أو بجعل اللفظ على المعنى في عالم الاعتبار أيضاً ، لا يستدعي فناء اللفظ في مقام الاستعمال « 4 » .
هذا مضافاً إلى ما قد يقال : إنّه لا مانع من إرادة الأمرين باللفظ الواحد فإنّه يمكن إرادة المعنيين معاً ، لأنّه في صورة عدم التكلم بلفظ القرء مثلًا ، لا مانع من الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد بالطهر ، فوجود اللفظ لايحيل ما كان جائزاً قبل الاستعمال « 5 » .
نعم ، ذهب السيد الخوئي « 6 » وغيره « 7 » إلى أنّ هذا الاستعمال خلاف الظهور العرفي ؛ حيث إنّ المتفاهم العرفي من اللفظ عند إطلاقه هو إرادة معنى واحد ، فلو وجدنا لفظاً مشتركاً خالياً عن القرينة على إرادة جميع المعاني أو بعضها يصير مجملًا .
الثاني : وقوع الاستعمال في القرآن الكريم وكلام العرب
فهو على وجوه أيضاً :
1 - الاستشهاد بوقوعه في موارد متعدّدة « 8 » ، كلفظ الصلاة الواقع في قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
هامش
( 1 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 102 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 452 ، البحر المحيط 2 : 129 .
( 2 ) . البحر المحيط 2 : 129 .
( 3 ) . مناهج الوصول 1 : 184 . لكنه التزم به وإن كان المسلك في حقيقةالوضع هو مسلك الجعل .
( 4 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 208 .
( 5 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 453 .
( 6 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 209 .
( 7 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 1 : 155 .
( 8 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 103 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 453 . وكذا ذهب الإمام الخميني إلى إمكانه بوقوعه في كلمات الشعراء والأدباء . انظر : مناهج الوصول 1 : 186 .