ليست من موارد الاستصحاب ، وتفتقد بعض أركانه من قبيل الشك « 1 » .
القول التاسع : التفصيل بين الشكّ في المقتضي والرافع
ذهب إلى هذا الرأي المحقّق الحلّي « 2 » ، والخوانساري « 3 » ، وقوَّاه الشيخ الأنصاري « 4 » .
استدلَّ المحقّق على رأيه بما يلي :
ينبغي النظر في الدليل المقتضي للحكم ، فإن كان يقتضي الحكم على الإطلاق وجب الحكم باستمرار الحكم ، مثل عقد النكاح الذي يقتضي الاستمرار مطلقاً ، فإذا شككنا فيما يوجب الطلاق من الألفاظ كقوله : ( أنتِ خلية أو بريّة ) استصحبنا عقد النكاح لشكّنا في رافعية الألفاظ المزبورة ، مع أنَّ وقوع العقد اقتضى حِلّ الوطء غير مقيّد بزمان ، فلزم دوام الحِلّ ، فيجب استمراره حتَّى يثبت الرافع « 5 » .
رُدَّ هذا الدليل : بأنَّ الحكم بوجود شيء لايتمُّ إلَّاإذا علمنا بعلّته التامة والتي يعدُّ عدم الرافع من أجزائها ، وعدم العلم بعدم الرافع يؤدّي إلى عدم العلم بالعلّة التامّة إلَّاإذا عبَّدنا الشارع بالحكم بالعدم عند عدم العلم ، وهذا عين الكلام في أصل الاستصحاب لا في التفصيل المزبور « 6 » .
فصَّل الشيخ الأنصاري هذا القول وأخرجه عن الإجمال ، وفسَّر الشكّ من جهة المقتضي بالشكّ من حيث استعداد المستصحب وقابليته في ذاته للبقاء ، كالشكّ في بقاء الليل والنهار وخيار الغبن بعد الزمان الأوَّل .
ويتحقَّق الشكّ في الرافع مع القطع باستعداد المستصحب للبقاء ، وهو من قبيل الشكّ في حدوث البول .
وقد يكون في رافعية الموجود ، إمَّا لعدم تعيّن المستصحب وتردّده بين ما يكون الموجود رافعاً ، وبين ما لا يكون كأداء صلاة الظهر المشكوك كونه رافعاً لشغل الذمة بالصلاة المكلَّف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردُّده بين الظهر والجمعة ، وإمَّا للجهل بصفة الموجود من كونه رافعاً كالمذي ، أو مصداقاً لرافع معلوم المفهوم كالرطوبة المردَّدة بين البول والودي أو مجهول المفهوم « 7 » .
وبذلك لا حاجة للإطالة في ذكر الاحتمالات الواردة في تفسير كلام الشيخ الأنصاري من المقتضي ، وذكر الاحتمالات الواردة هنا ، والتي قد تكون أجنبية عن المراد « 8 » ، كما فعل بعض « 9 » .
استدلَّ الشيخ الأنصاري على رأيه بدليل آخر اعتمد على مفردة « النقض » الواردة في بعض الروايات ، فقد استظهر منها : أنَّ النقض يعني رفع الهيئة الاتصالية أو رفع الأمر المستمر وقطع الشيء المستمر ، فلابدَّ أن يكون ما ينقض أو المتعلّق له قابلية الاستمرار ، وبما أنَّ اليقين نفسه وأوصافه تنتقض من قبل المكلَّف دون اختيار فلا يقع حيّزاً للتحريم ، فلا بدَّ أن يكون المراد - بدلالة الاقتضاء - الأحكام الثابتة للمتيقّن بواسطة اليقين .
ثمَّ يتأمَّل الشيخ في جريان هذا المعنى في المستصحب العدمي « 10 » .
هامش
( 1 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 165 - 166 .
( 2 ) . معارج الأصول : 206 - 207 .
( 3 ) . مشارق الشموس : 76 .
( 4 ) . فرائد الأصول 3 : 51 ، 159 - 160 .
( 5 ) . معارج الأصول : 209 - 210 .
( 6 ) . فرائد الأصول 3 : 160 .
( 7 ) . المصدر السابق : 46 - 47 .
( 8 ) . أنوار الأصول 3 : 317 .
( 9 ) . انظر : فوائد الأصول 4 : 314 - 316 ، دراسات في علم الأصول ( الخوئي ) 4 : 47 - 49 .
( 10 ) . فرائد الأصول 3 : 160 .