للإرادة ، وصرّح بذلك جملة من الأصوليين « 1 » ، قال السبكي :
« إن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة ؛ وذلك لأنّه قد يجتمع مع كراهيته ، ويستحيل أن تجتمع إرادته مع كراهته ، فالأمر غير الإرادة » « 2 » .
واستدلوا على المغايرة بوجوه :
منها : أنّه تعالى قد يطلب من العبد إنجاز شيء وهو لا يريده لغرضٍ ما ، كالأوامر الامتحانية ، فإنّه تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل ، مع أنّ الذبح غير مراد له تعالى ، لأنّه لو أراده لوقع ، لأنّ اللَّه فعّال لما يريد « 3 » .
ومنها : أنّه تعالى قد يأمر العاصي بالطاعة والكافر بالإيمان مع عدم إرادته ذلك - واقعاً - فلو تعلقت إرادته بطاعة العاصي وإيمان الكافر لما تخلّف وقوعهما ، ولمّا لم يتحقق ذلك فتبيّن أنّهما غير مرادين له تعالى ، فالطلب حاصل والإرادة غير حاصلة « 4 » .
ومنها : أنّ الإرادة ترجّح أحد طرفي الممكن ، والكلام لايرجِّحه ، والإرادة يجب وقوعها ، والأمر لا يجب فيه ذلك ، والإرادة تتعلق بالأفعال والذوات الممكنة ، والطلب لا يتعلق إلّابالأفعال « 5 » .
كما نقل استدلال القاضي أبو الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، على التغاير بأنّ من حلف ليقضين زيداً دينه غداً ، وقال : إن شاء اللَّه ، ولم يقضه ، لم يحنث في يمينه مع كونه مأموراً بقضاء دينه ؛ لأنّ مشيئة اللَّه لم تتعلق بقضاء الدين ، فلو تعلقت لقضي دينه « 6 » .
وقد أشار بعض المحقّقين « 7 » إلى أنّ الذي حدى بالأشاعرة إلى القول بالمغايرة ، هو قولهم بأنّ العباد مجبورون في أفعالهم ، وقال آخر « 8 » : إن سبب قولهم بالمغايرة ذهابهم إلى القول بالكلام النفسي .
ومع إنكار الأعلام من الإمامية للكلام النفسي ، إلّاأنّ بعضهم « 9 » وافق الأشاعرة في مغايرة الإرادة للطلب .
قال البروجردي : « إنّ حقيقة الطلب مغايرة لحقيقة الإرادة ، فأنّ الإرادة صفة من الصفات النفسانية ، بخلاف الطلب فإنّه عبارة عن تحريك المطلوب منه نحو العمل المقصود إمّا تحريكاً عملياً . . . أو تحريكاً إنشائياً » « 10 » .
وصرّح السيد الخوئي قائلًا : « إنّ الطلب مغاير للإرادة مفهوماً وواقعاً ، حيث إنّ الطلب فعل اختياري للإنسان ، والإرادة من الصفات النفسانية الخارجة عن الاختيار » « 11 » .
« وربّما يستظهر من بعض الكلمات « 12 » أنّ القول بالطلب قبال الإرادة هو قول بالكلام النفسي ، ولكن الحق خلافه ،
هامش
( 1 ) . الغزالي في المستصفى 1 : 90 ، والكلوذاني في التمهيد في أصول الفقه 1 : 124 ، والرازي في المحصول 1 : 191 ، والآمدي في الإحكام 1 - 2 : 364 ، وابن عبّاد العجلي في الكاشف عن المحصول 3 : 60 ، والقرافي في نفائس الأصول 3 : 1194 ، والزركشي في تشنيف المسامع 2 : 581 ، والمرداوي في التحبير شرح التحرير 5 : 2169 ، والدكتور عبد الكريم النملة في الجامع لمسائل أصول الفقه : 216 .
( 2 ) . الإبهاج في شرح المنهاج 2 : 11 .
( 3 ) . انظر : الكاشف عن المحصول 3 : 69 ، الواضح في أصول الفقه 4 ق 1 : 69 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 193 .
( 4 ) . انظر : الكاشف عن المحصول 3 : 60 - 61 ، المستصفى 1 : 302 ، التمهيد في أصول الفقه 1 : 125 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 364 .
( 5 ) . انظر : نفائس الأصول 3 : 1197 .
( 6 ) . انظر : البحر المحيط 2 : 351 ، الإبهاج في شرح المنهاج 2 : 12 ، الكاشف عن المحصول 3 : 70 .
( 7 ) . انظر : مقالات الأصول 1 : 209 .
( 8 ) . انظر : منتهى الأصول 1 : 115 .
( 9 ) . المحقّق النائيني في أجود التقريرات 1 : 136 ، ووافقه السيد الخوئي في تعليقته على المصدر المذكور ، ومحاضرات في أصول الفقه 2 : 33 .
( 10 ) . نهاية الأصول 1 - 2 : 93 .
( 11 ) . محاضرات في أصول الفقه 2 : 33 .
( 12 ) . بدائع الأفكار ( الرشتي ) : 206 ، منتهى الأصول 1 : 116 .