المعاهدة ، فينتزع حجلها وقلبها « 1 » وقلائدها ورعثها « 2 » ، ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع والاسترحام ، ثمّ انصرفوا وافرين ، ما نال رجلًا منهم كَلْم « 3 » ، ولا أريق لهم دم ، فلو أنّ امرأ مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً ، بل كان به عندي جديراً ، فيا عجباً ! عجباً - والله - يميت القلب ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ! فقبحاً لكم وترحاً « 4 » حين صرتم غرضاً « 5 » يرمى ، يغار عليكم ولاتغيرون وتُغزون ولا تَغزون ، ويُعصى الله وترضون ! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيّام الحرّ قلتم : حمارّة القيظ ، أمهلنا يُسبَّخ عنّا الحرّ ، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم : هذه صبارّة القرّ « 6 » ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، كلّ هذا فراراً من الحرّ والقرّ فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون فأنتم - والله - من السيف أفرّ !
يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال ، لوددتُ أنّي لم أركم ولم أعرفكم معرفة - والله - جرّت ندماً ، وأعقبت سدماً « 7 » ، قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً ، وجرّعتموني نغب التهمام « 8 » أنفاساً ، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان ، حتّى لقد قالت قريش : إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب ، لله أبوهم ! وهل أحد منهم أشدّ لها مراساً « 9 » ، وأقدم فيها مقاماً منّي !
لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وهأنذا قد ذرّفت « 10 » على الستّين ! ولكن لا رأي
هامش
( 1 ) القلب من الأسورة ما كان قلداً واحداً . اللسان ( قلب ) .
( 2 ) الرعثة : ما علق بالأذن من قرط ونحوه . والرعثة درّة تعلّق في القرط . ورعث جمع الجمع . اللسان ( رعث ) .
( 3 ) الكلم : الجرح . اللسان ( كلم ) .
( 4 ) الترح : ضد الفرح ، وهو الهلاك والانقطاع والفقر . اللسان ( ترح ) .
( 5 ) الغرض : الهدف .
( 6 ) صبارّة القرّ : شدّة البرد . اللسان ( صبر ) و ( قرر ) .
( 7 ) السّدم : الندم والحزن والهمّ وقيل : غيظ مع حزن . اللسان ( سدم ) .
( 8 ) النَّغبة والنُّغبة : الجرعة . والتهمام : الاغتمام من الهم . اللسان ( نغب ) و ( همم ) .
( 9 ) المراس : الممارسة وشدّة العلاج . اللسان ( مرس ) .
( 10 ) ذرّفت : أي زدت . اللسان ( ذرف ) .