وممّا ساعدهم على ذلك التمزّق الذي يعيشه المسلمون ، والفرقة التي تتخلّلهم وتدور فيهم .
فلقد عاش المسلمون قروناً في صراع ونزاع فيما بينهم كان لأعدائهم الدور الأساس في تجذيره وتأصيله في النفوس ، حتى أضحى المسلم لا يتعاون مع أخيه لا لسبب إلّالعدم موافقته له في المذهب .
ويالها من كارثة !
فالعدوّ يترصّد بنا الدوائر لاقتحام صفوفنا وديارنا ونحن في غفلة ، بل وفي شغل عنه وعما يخبّئه لنا ، ولا نمدّ لإخواننا يد العون ولو في أحوج الظروف وأصعبها .
أليست هذه امّتنا أُمّة واحدة ، واللَّه ربّنا ، والمسلم أخو المسلم ، والقرآن واحد ، والكعبة واحدة ، والرسول واحد ؟ !
وليس المخطط هذا بجديد ، فأعداء الإسلام منذ قرون مضت قاموا بصياغة أحاديث موضوعة نسبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام وكبار الصحابة ، فانتقلت من ثمَّ إلى مصادر المسلمين ، وتركت آثارها على التفكير العقائدي فيما بعد ، وصارت سبباً في إيجاد التفرقة والخلاف بين المسلمين ، والحروب والاقتتال بين طوائفهم ، والذي نلمس بعض آثارهما في بقاع متعددة من بلاد الإسلام اليوم .
ولقد تنبّه إلى هذه الثغرة علماء مسلمون ، وتمكّنوا من تجاوز القيود الإقليمية والآفاق المذهبيّة الضيّقة ، بعدما تحرّروا من التعصّب والتقليد ، وجرّدوا أنفسهم لتوحيد الصف الاسلامي ورأب الصدع بكلّ ما يتَيسّر لديهم من السبل والوسائل ، فقاموا بوضع الخطوط العريضة التي تجمع كلّ الطوائف والمذاهب تحت راية الإسلام ، وتعريف المسلمين بنقاط الالتقاء ، وتفادوا كلّ ما يؤدّي إلى التفرقة والشقاق بين أبناء هذا الدين ، فتبنّى بعضهم التنبيه على تحرّكات الأعداء المتواجدين داخل صفوف المسلمين ، وتنبيه الامّة إلى وجود الأبواق المأجورة أو المغفّلة التي من شأنها بثّ الشقاق في صفوف المسلمين .
كتب الشيخ عبد الحسين مغنية يقول : « إنّ الداعين من السنّة إلى التهجّم على الشيعة يحتجّون بأقوال الغلاة المرفوضين أصلًا من الشيعة ، وأنّ الداعين من الشيعة إلى التهجّم على السنّة يحتجّون أيضاً بأقوال الغلاة من السنّة - وهم النواصب - ولهذا يبدو أنّ الغلاة يشكّلون فريقاً واحداً يصحّ تسميته : الفريق الثالث ، مهمّته ضرب الإسلام وتمزيق المسلمين » « 1 » .
هامش
( 1 ) . مقدمة كتاب الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة : 9 .