إنّ من أغرب الأُمور أن نجد ابن سبأ حاضراً في كلٍّ من حوادث الثورة على عثمان ، والحوادث التي جرت بعدها ، ثم نراه غائباً في معركة صفّين ، يوم قُتل عمّار بن ياسر ! فلماذا اختفى هذا الداهية الدهماء في تلك المعركة الطاحنة ، وأين اختفى ؟
إنّ المؤرّخين لم يجيبوا على هذا السؤال المحيّر قليلًا أو كثيراً .
الواقع أنّ ابن سبأ لم يختف أثناء معركة صفّين ، فهو بالأحرى لم يكن له وجود حقيقي حتّى يختفي ، إنّه كان وهماً ، كما ذكرنا في فصلٍ سابق ، والوهم يأتي ويذهب تبعاً لمقصد أصحابه والمخترعين له » .
ثم يضيف الوردي : « يخيّل لي أنّ حكاية ابن سبأ من أولها إلى آخرها كانت حكايةً متقنة الحبك ، رائعة التصوير . إنّ القرشيين لم يكونوا دهاة في ميدان السياسة فحسب ، فقد كانوا ماهرين في فنّ القصص أيضاً . ويبدو أنّ قريشاً كانت في أيام عثمان تتحدّث عن عمّار بن ياسر في منتدياتها الخاصة ، وتشتمه سرّاً ، حيث لم تكن ترى من مصلحتها إعلان شتيمته أمام الناس آنذاك .
وربّما سمع أحد الرواة قريشاً تلهج بذكر ابن السوداء وتشتمه ، فظنّ أنّها تعني شخصاً آخر غير عمّار بن ياسر .
ومن يدري فلعلّ حكاية « ابن سبأ » نشأت في أول الأمر من هذا الظنّ الخاطئ ، ثم تراكمت حولها الأساطير بعد ذلك شيئاً فشيئاً .
ومن غرائب التاريخ أن نرى كثيراً من الأُمور التي تنسب إلى « ابن سبأ » موجودة في سيرة عمّار بن ياسر على وجهٍ من الوجوه ، وهذا أمر يدعو إلى تأمّل .
أعرض على القارئ فيما يلي بعض هاتيك الأُمور التي اشترك فيها عمّار وابن سبأ ، يرى رأيه فيها :
1 - كان ابن سبأ يُعرف بابن السوداء ، وقد رأينا كيف أنّ عمّاراً يكّنى بابن السوداء أيضاً . « 1 »
هامش
( 1 ) . وكان الدكتور الوردي قد أشار في مطلع هذا الفصل إلى أقوال قريش ، وكيف أنّها كانت تدعو عمّاراً بالعبد وابن السوداء .