كانت عليه من التعبّدات .
قالت زينب بنت أخيها : تألمّت عمّتي في أولّ من رجب ، وكتبت إلى زوجها إسحاق المؤتمن كتاباً ، وكان غائباً بالمدينة ، تطلب إليه في المجيء إليها وموافاتها ؛ لإحساسها بدنوّ أجلها ، وفراقها لدنياها ، وإقبالها على أُخراها ، وما زالت متوعّكة إلى أن كان أول جمعة من شهر رمضان ، فزاد عليها الألم وهي صائمة ، فدخل عليها الأطبّاء ، فأشاروا عليها بالإفطار لحفظ قوّتها ، ولتتغلّب على مرضها وضعفها ، فقالت : واعجباه ، إنّ لي ثلاثين سنة وأنا أسأل اللَّه عزّوجلّ أن يتوفّاني وأنا صائمة ، أفأفطر ؟ ! معاذ اللَّه تعالى ، ثم أنشدت يقول :
اصرفوا عنّي طبيبي * ودعوني وحبيبي
زاد بي شوقي إليه * وغرامي في لهيب
طاب هتكي في هواه * بين واشٍ ورقيب
لا أبالي بفواتٍ * حيث قد صار نصيبي
ليس من لام بعذل * عنه فيه بمصيب
جسدي راضٍ بسقمي * وجفوني بنحيبي
فانصرف الأطبّاء وهم معجبون بقوّة يقينها وثبات دينها ، وسألوها الدعاء ، فقالت لهم خيراً ودعت لهم .
وقالت زينب : ثم إنّها بقيت كذلك وقد أفترها الداء إلى العشر الأواسط من شهر رمضان ، فاشتدّ بها المرض واحتضرت ، فاستفتحت بقراءة سورة الأنعام ، فلا زالت تقرأ إلى أن وصلت إلى قوله تعالى : قل الله كتب على نفسه الرحمة ففاضت روحها الكريمة . وقيل :
إنّها قرأت :
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
فغشي عليها .
قالت زينب : فضممتها إلى صدري ، فإذا بها تشهد شهادة الحقّ ، وقُبضت ، واختارها اللَّه لجواره ، ونقلها إلى دار كرامته ، وكان ذلك في سنة ثمان ومائتين ، وذلك بعد موت الإمام الشافعي بأربع سنين رحمهم اللَّه جميعاً .
وما أحسن ما قال بعضهم في خروج روحها رضوان اللَّه عليها :
روح دعاها بالوصال حبيبها * فأتت إليه مطيعةً ومجيبه
يا مدّعي صدق المحبّة هكذا * صدق المحبّ إذا دعاه حبيبه
وقد أوصت السيّدة نفيسة رضي اللَّه عنها أن لا يتولّى أمرها غير بعلها ، وكان مسافراً ،