ألم يحدّثنا القرآن الكريم بصورةٍ لا تحتمل التأويل بأنّ عيسى عليه السلام كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللَّه ؟ وأنّه كان يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن اللَّه ؟ « 1 » .
ألم يحدّثنا عن سيّدنا موسى بأن ألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون « 2 » ؟ وبأنّه أخرج يده فإذا هي بيضاء للناظرين ؟ « 3 »
وسيّدتنا مريم ، ألم تحمل بسيّدنا عيسى من غير أب ، خارقةً بذلك قوانين الطبيعة ؟
وكانت كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً ، قال : يا مريم أنَّى لك هذا ؟ قالت :
هو من عنداللَّه « 4 » .
( 2 ) ثم إنّ ما نسمّيه قوانين الطبيعة ، إنّما هو في الواقع عادات طبيعة ، وخرقها ليس بمستحيلٍ عقلًا ، وخرقها لا يترتّب عليه مستحيل ، وعادات الطبيعة لا تسيطر على ربّ الطبيعة .
( 3 ) ثم إنّ هؤلاء الذين تجري على أيديهم المعجزات أوالكرامات لا ينسبونها لأنفسهم ، وإنّما ينسبونها إلى المتفضّل الوهّاب ، صاحب القدرة والقهر ، إنّهم ينسبونها إلى من هو على كلّ شيء قدير .
( 4 ) والملاحظ في منكري الكرامات على مرّ العصور : أنّهم يتميّزون بألوان الغلظة وقساوة القلب ، فلا تجد منهم رقّة الشعور ، ولا صفاء البصيرة ، ولا ملائكية الروح ، وهم إن لم يكونوا من الملاحدة ، فهم من الصنف الذي لم يخالط الإيمان شغاف قلبه ، وإنّما بقي صورةً عائمةً على السطح .
( 5 ) وجمهرة المسلمين على مرّ العصور ، عامّتهم وخاصّتهم وقممهم الشوامخ في العلم والدين ، من الذين يثبتون الكرامات ويؤمنون بها » .
ويضرب الدكتور عبد الحليم محمود مثلًا خاصّاً به يضيفه إلى الأسباب العامّة التي
هامش
( 1 ) في سورة آل عمران : 49 .
( 2 ) في سورة الأعراف : 117 وسورة الشعراء : 45 .
( 3 ) في سورة الأعراف : 108 ، وسورة طه : 22 ، وسورة الشعراء : 33 ، وغيرها .
( 4 ) في سورة آل عمران : 37 .