وفي اعتقادي أنّه ليس هذا التوسّل ممنوعاً أصلًا « 1 » ، لأنّ التوسّل بالوليّ إنّما يطلب من اللَّه إجابة طلبه إكراماً لهذا الوليّ ، لاعتقاده أنّ هذا الوليّ أقرب منه إلى اللَّه تعالى ، وهذا لا فرق فيه بين الحيّ والميّت ؛ لأنّ الفاعل هو اللَّه تعالى بل إنّه بعد الموت أقرب منه حال الحياة الدنيوية ؛ لأنّ الروح بعد الممات غير مشغولة بتدبير شؤون البدن .
ولكن ما هي الوسيلة ؟
الوسيلة جاءت في سورة المائدة في قوله سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 2 » و « الوسيلة » و « الوصيلة » لفظان معناهما واحد ، أي : ما يتوصّل به إلى المقصود .
ومعنى قوله تعالى :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
: اطلبوا ما يوصلكم إليه ، فمعنى الآية :
اتّقوا اللَّه واطلبوا ما يوصلكم إليه ، وتقديم « إليه » في قوله تعالى :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
لإفادة الحصر ، أي : اطلبوا ما يوصل إليه وحده ، لا إلى غيره .
وما الذي يوصل المؤمن إلى ربّه ؟
أوّل ما يوصل المؤمن إلى ربّه إيمانه الصادق وعمله الصالح ، كذلك من الوسائل التي توصل الإنسان إلى ربّه دعاء غيره له ، فالإنسان إذا عمل أعمالًا ، أوتخلّق بأخلاقٍ ، أوأسدى معروفاً ، وأدّى هذا إلى أن تنطلق ألسنة الناس بالدعاء له ، فهذا من غير شكّ وسيلة توصل الإنسان إلى ربّه ، وهذا داخل في قوله تعالى :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
.
ولهذا لمّا استأذن عمر بن الخطّاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في أن يعتمر ، وأذن له الرسول في أن يعتمر قال له :
« لا تنسنا يا أخي من دعائك » « 3 » .
وفي الحديث :
« إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّامن ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له » « 4 » .
هامش
( 1 ) ستأتي الإشارة إليه قريباً .
( 2 ) الآية : 35 .
( 3 ) أخرجه أبو داود في السنن : ج 2 ص 81 ح 1498 ، والبيهقي في السنن الكبرى : ج 5 ص 251 .
( 4 ) أخرجه الترمذي في السنن : ج 3 ص 660 ح 1376 ، وأبو داود في السنن : ج 3 ص 117 ح 2880 كلاهما عن أبيهريرة ، ورواه الزيلعي في نصب الراية : ج 3 ص 159 وقال : رواه مسلم وأبو داود النسائي في الوصايا ، والترمذي في الأحكام والوقف .