عمرها « 1 » .
ونشأت كذلك آية من آيات اللَّه تعالى في قوّة الذاكرة والحافظة ، صفاء نفس ونقاء حدس ، فكان طبيعياً أن تتّجه بكلّ قواها إلى كتاب اللَّه الكريم ، فألمّت بتفسيره وتأويله ، فاستجلت غوامضه ، وخاضت عبابه .
وأخذت وهي تنمو جسماً وعقلًا وروحاً ، تقوم الليل وتصوم النهار ، وتمعن في العبادة والدراسة ، فاتّجهت بكلّ روحها إلى دراسة حديث جدّها ، فروت منه عن أبيها وآل بيتها وعلماء عصرها ، وأخذت بحظٍّ وافرٍ من الفقه والعلم ، ومن هنا جاء اللقب الذي اشتهرت به :
نفيسة العلم .
شغفت بحديث جدّها المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وروت من الحديث والآثار الكثير من أبيها وآل بيتها وعلماء عصرها ، وبخاصّة إلامام مالك بن أنس رضي الله عنه بالمدينة ، وكان من عادته أن يتصدّر مجالس العلم وفي يمينه موطّؤه ، وحوله العلماء وطلّاب العلم وفدوا عليه من سائر الأقطار الإسلامية ، ينشر إلامام مالك العلم في أرجاء المدينة ، من أرجائها ينساب إلى آفاق العالم المتعطّش له ، وكانت أحاديث إلامام مالك علنية ، وكانت أصداؤها تصل إلى السيّدة نفيسة ، فتأخذ ما تضيفه إلى ما جاءت به من مكّة من سائر علوم القرآن والحديث ، وقد سمع عنها الحديث كثير من علماء مصر والراحلين إليها .
وقد كان ابن خلّكان يروي : أنّ إلامام الشافعي رضي الله عنه لمّا دخل مصر حضر إليها ، وسمع عنها الحديث « 2 » .
وقالت زينب بنت يحيى المتوّج ، وهو أخو السيّدة نفيسة رضياللَّه عنهم : كانت عمّتي نفيسة تحفظ القرآن وتفسيره ، وكانت تقرأ القرآن وتبكي ، وتقول : إلهي وسيّدي ، يسِّر لي زيارة خليلك إبراهيم عليه السلام « 3 » لأنّها كانت تعلم أنّه أبوالأنبياء ، أي أنّه أبو أبيها محمد رسولاللَّه صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء ، وأنّه له بشارة كما ورد في الأثر ، وإذن فهو أبوها وجدّها ، وكانت تعرف أنّ
هامش
( 1 ) انظر مجموعة آل بيت النبي في مصر : ص 79 .
( 2 ) وفيات الأعيان : ج 5 ص 424 رقم ( 767 ) . وذكره أيضاً المقريزي في خططه : ج 4 ص 325 ، والأستاذ أبوكف في مجموعة آل بيت النبي في مصر : ص 84 .
( 3 ) تحفة الأحباب وبغية الطلاب : ص 105 .