إن البيعة في معناها السياسي ، عقد وعهد يستلزم الوفاء ، وهي وسيلة إسناد السلطة إلى الحاكم ، وقد تحدث الفقهاء المسلمون عن البيعة ، بصفتها عقداً له ركنان اثنان ، هما : الحاكم والأمة . فالحاكم هو من أسندت الأمة إليه السلطة يزاولها نيابة عنها وفق أحكام الشريعة الإسلامية ، ويوجب تعاقدها معه على ذلك . وأما الأمة فهي صاحبة الحق في اختيار الحاكم وبيعته ، ويمثلها أهل الحل والعقد . وتعتبر الأمة الركن الثاني في العقد ، ولا يقوم العقد إلا بها ، حيث لا يمكن للإمام أن يعقد لنفسه سلطة دون بيعة الأمة أو من يمثلها .
وللحاكم الذي يقوم بما أسندت إليه الأمة من المهام ، وحكم بموجب الشريعة حق الطاعة والنصرة من الأمة . والحاكم الذي يوفي حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم ، ووجب له عليهم حقان : الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله « 1 » .
لكن واجب الطاعة على الأمة للحاكم في النظام السياسي الإسلامي ، لم يكن مطلقا ، بل مقيدا بعدم مخالفته للشريعة ، بقوله تعالى
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
« 2 » وقد أدرك عمر بن الخطاب ذلك في خطبته يوم بيعته " أطيعوني ما أطعت الله فيكم " ، وبالتالي فإن الحاكم المسلم مسؤول مسؤولية ثنائية ، أمام الله أولًا وأمام الأمة ثانياً .
وتتم البيعة للحاكم على مرحلتين : يتم في المرحلة الأولى اختيار الحاكم بشكل أولي ، وضمن دائرة أهل الحل والعقد ، وتسمى ببيعة الانعقاد أو البيعة الخاصة ، وأما البيعة العامة التي يقوم بها جميع أفراد الأمة للحاكم فهي بيعة طاعة . « 3 »
ويشترط في البيعة أيضاً ، أن تصدر من البالغ ، فلا تصح البيعة من الصغار . وأما ألفاظ البيعة فإنها غير مقيدة بألفاظ معينة ولكن لا بد من اشتمالها على العمل بكتاب الله وسنة رسول الله بالنسبة للخليفة وعلى الطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، بالنسبة للذي يعطي البيعة .
ومما يؤخذ على بعض البيعات في التاريخ الإسلامي ، بعد عهد الخلفاء الراشدين أنها كانت
هامش
( 1 ) - الماوردي ، نفسه ، 17 .
( 2 ) - الشعراء ، آية 150 - 151 .
( 3 ) - النبهاني ، 96 ، 1990 .