الحسين أن يصيب منهم من يتعرّض للإصابة . . ولكنّه رأى شمر بن ذي الجوشن - أبغض مبغضيه المؤلّبين عليه - يدنو من بيوته ويجول حولها ليعرف منفذ الهجوم عليها ، فأبى على صاحبه مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم وقد أمكنه أن يصميه « 1 » وهو من أسدّ الرماة ؛ لأنّه كره أن يبدأهم بعداء « 2 » .
* * * وكأنّه لمح منهم ضعف النيّة وسوء الدخلة في الدفاع عن مولاهم ، وعلم أنّهم لا يخلصون في حبّه ، ولا يؤمنون بحقّه ، وأنّهم يخدمونه للرغبة أو الرهبة ، ولا يخدمونه للحقّ والذمّة . . فطمع أن يقرع ضمائرهم وينبّه غفلة قلوبهم ، ورمى بآخر سهم من سهام الدعوة قبل أن يرمي بسهم واحد من سهام القتال .
فخرج لهم يوما بزي جدّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم متقلّدا سيفه لابسا عمامته ورداءه ، وأراهم أنّه سيخطبهم ، فكان أوّل ما صنعوه دليلا على صدق فراسته فيهم ؛ لأنّ رؤساءهم ومؤلّبيهم أشفقوا أن يتركوا له آذان القوم ، فينفذ إلى قلوبهم ويلمس مواقع الإقناع من ألبابهم . فضجّوا بالصياح والجلبة وأكثروا من العجيج والحركة ؛ ليحجبوا كلامه عن أسماعهم ويتّقوا أثر موعظته فيهم ، وهو بتلك الهيئة التي تغضى عنها الأبصار وتعنو لها الجباه .
ولكنّه صابرهم حتّى ملّوا ، وملّ إخوانهم ضجيجهم هذا الذي
هامش
( 1 ) أصميت الصيد : إذا رميته فقتلته وأنت تراه . ( لسان العرب 7 : 415 ) .
( 2 ) الإرشاد 2 : 96 ، إعلام الورى 1 : 458 ، المنتظم 5 : 339 .