مجتمعة فالقلوب شتى ، وقد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة فأحجمنا عن الحكم ، لتحكم بما أراك اللّه ، وانهما تعلقا بها ، وأقسم أبوها ان لا يدعها معه . وأقسم زوجها ان لا يفارقها ولو ضربت عنقه إلا أن يحكم عليه حاكم لا يستطيع مخالفته والامتناع منه ، فرفعناهم إليك ، أحسن اللّه توفيقك وأرشدك .
فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية وافخاذ قريش ، ثم قال لأبي المرأة : ما تقول أيها الشيخ ؟ فحكى القصة كما أسلفنا ، ثم قال عمر للزوج :
ما تقول ؟ قال : نعم . ولما أجاب الزوج نعم كاد المجلس يرتج بأهله ، وبنو أمية ينظرون اليه شزرا ، لكنهم لم ينطقوا بشيء ، كل ينظر إلى وجه عمر ، فأكب عمر مليا ينكث الأرض بيده . . . ثم التفت إلى القوم ، وقال : ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ . فسكتوا . فقال : سبحان اللّه ، قولوا . فقال رجل من بني أمية : هذا حكم فرج ، ولسنا نجترىء على القول فيه ، وأنت اعلم بالقول .
فقال له عمر : قل ما عندك ، فان القول إذا لم يحق باطلا ، أو يبطل حقا كان جائرا عليّ وفي مجلسي . قال الأموي : لا أقول شيئا .
فالتفت عمر إلى رجل من ولد عقيل بن أبي طالب . وقال له : ما تقول ؟
فاغتنمها العقيلي ، وقال : ان جعلت قولي حكما قلت ، وإلا فالسكوت أوسع لي ، وأبقى للمودة . قال له عمر : قل وقولك حكم ، وحكمك ماض .
فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا لعمر : ما أنصفتنا إذ جعلت الحكم إلى غيرنا .
فقال لهم عمر : اسكتوا عجزا أو لؤما ، عرضت عليكم آنفا فأبيتم ، ا تدرون ما مثلكم ؟ قالوا : لا ندري . فقال : ولكن العقيلي يدري ، ثم قال للعقيلي :
ما مثلهم ؟ قال : مثلهم كما قال الأول :
دعيتم إلى امر فلما عجزتم * تناوله من لا يداخله عجز
فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم * نداما وهل يغني من الحذر الحرز