فهل تتبع الشّريف الرّضي كلّ هذه الحوادث والمناسبات ، وأحصاها حادثة حادثة ، ووضع لكلّ منها خطبة تلائمها ! ! . وكيف استطاع أن يتقمص روح الإمام الّتي يستحيل على إنسان أن يجاريها أو يقلدها ؛ لأنّها روح النّبيّ بالذات ؟ ! كيف استطاع أن يتجاوب مع الذّات العلوية بإحساسها ومشاعرها ، ويرسم شخصيتها وعظمتها ، من قريب وبعيد ؟ ! كيف استطاع أن يجرد من نفسه بابا لعلم مدينة الرّسول ، وللنّبأ العظيم الّذي شغل وسيشغل النّاس أجيالا وأجيالا .
أنّ كلّ كلمة من كلمات نهج البلاغة تعكس في وضوح روح الإمام ، وعلمه ، وعظمته في دينه ، وجميع صفات الجلال والكمال ، ولو لم يحمل نهج البلاغة اسم الإمام ، ثمّ قرأه عارف بسيرته وشخصيته لا يتردد في القول بأنّه كلام الإمام من ألفه إلى يائه « 1 » .
[ قد يتساءل ] وممّا تذرع به الزّاعمون بأنّ نهج البلاغة كلّه أو بعضه مدسوس ومنحول
، أنّ فيه معاني واصطلاحات كلامية وفلسفية ، مع أنّ الفلسفة كانت مجهولة عند المسلمين في عهد الإمام ! . . .
هامش
- أغراض الكلام ، فيه التّرغيب والتّنفير ، والسّياسات ، والجدليات ، والحقوق ، وأصول المدنيّة ، وقواعد العدالة ، والنّصائح والمواعظ ، فلا يطلب الطّالب طلبة إلّا ويرى فيه أفضلها ، ولا تختلج فكرة إلّا وجد فيه أكملها . ( منه قدّس سرّه ) .
( 1 ) قال الأستاذ الهنداوي في كتاب « مع الإمام عليّ » : 200 ، « لا نكاد نرى كتابا انفرد بقطعات مختلفة يجمعها سلك واحد من الشّخصية الواحدة والأسلوب الواحد ، كما نراه في نهج البلاغة ، لذلك نقرر ونكرر أنّ النّهج لا يمكن أن يكون إلّا لشخص واحد نفخ فيه نفس واحد » . ( منه قدّس سرّه ) .