بيان ما لعلّه يحتاج إلى البيان في هذا الحديث
[ - في بيان معنى المعرفة ]
من عرف اللّه : قال بعض الأعلام : أكثر ما تطلق المعرفة على الأخير من الإدراكين للشيء الواحد إذا تخلّل بينهما عدم ، بأن أدركه أوّلا ثمّ ذهل عنه ثمّ أدركه ثانيا فظهر له أنّه هو الذي كان قد أدركه أوّلا . ومن هاهنا سمّي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان لأنّ خلق الأرواح قبل خلق الأبدان كما ورد في الحديث « 1 » ، وهي كانت مطّلعة على بعض الإشراقات الشهودية مقرّة لمبدعها بالربوبية كما قال سبحانه :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى
« 2 » لكنّها لإلفها بالأبدان الظلمانية وانغمارها في الغواشي الهيولانية ذهلت عن مولاها ومبدعها ، فإذا تخلّصت بالرياضة من أسر دار الغرور وترقّت بالمجاهدة عن الالتفات إلى عالم الزور تجدّد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي الأعصار والدهور ، وحصل لها الإدراك مرّة ثانية ، وهي المعرفة التي هي نور على نور .
عنّى نفسه : عنّى بالعين المهملة والنون المشدّدة أي أتعب ، والعناء بالفتح والمدّ : التعب .
بآبائنا وامّهاتنا : هذه الباء يسمّيها بعض النحاة بالتعدية ، وفعلها محذوف غالبا ، والتقدير : نفديك بآبائنا وامّهاتنا ، وهي في الحقيقة باء العوض نحو : خذ هذا بهذا ، وعدّ منه قوله تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 3 » .
هؤلاء أولياء اللّه : هو استفهام محذوف الأداة ، ويمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم والتأكيد في قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
هامش
( 1 ) راجع بحار الأنوار : ج 61 ص 131 والصفحات التي بعدها .
( 2 ) الأعراف : 172 .
( 3 ) النحل : 32 .