سلامته أخرى بأنّ سياق الكلام يقتضي أن يقال : فاخترت ما حرّم اللّه عليك من حرامه مكان ما أحلّ اللّه لك من حلاله ، وإنّما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من رزقه » مكان « من حرامه » فأطلق على الحرام اسم الرزق لمشاكلة قوله : « فلا أراني ارزق » وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لقد رزقك اللّه » وهذا كما يقوله من يخصّ الثناء باللسان في قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » أنّه من باب المشاكلة لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ثناء عليك » أنّ المراد « كما وصفت نفسك » .
والمشاكلة وان كانت نوعا من المجاز إلّا أنّها من المحسّنات المعنوية الكثيرة الورود في القرآن والحديث الفاشية في نظم البلغاء ونثرهم ، فليس الحمل عليها ببعيد ليرتفع التعاند من البين ويزول التنافي بين الحديثين .
وتمسّك المعتزلة أيضا بقوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 2 » .
وقال الشيخ الجليل الطوسي في تفسيره الموسوم بالتبيان « 3 » ما حاصله : إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الحرام ليس رزقا ، لأنّه سبحانه مدحهم بانفاق الرزق ، والانفاق من الحرام لا يوجب المدح . وقد يقال أنّ تقديم الظرف يفيد الحصر ، وهو يقتضي كون المال المنفق على ضربين : ما رزقه اللّه وما لم يرزقه ، وأنّ المدح إنّما هو على الانفاق ممّا رزقهم اللّه وهو الحلال ، لا ممّا سوّلت لهم أنفسهم من الحرام ، ولو كان كلّ ما ينفقونه رزقا من اللّه سبحانه لم يستقم الحصر ، فتأمّل « 4 » .
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة : ج 1 ص 1263 كتاب الدعاء .
( 2 ) البقرة : 3 .
( 3 ) التبيان : ج 1 ص 57 .
( 4 ) وجه التّأمّل : أنّ التقديم لا ينحصر في أن يكون للحصر فقط ، إذ يمكن أن يكون هاهنا للسجع . وأيضا انّما استفيد من هذا كون الحلال رزقا لأنّ الحرام ليس برزق مع أنّه المبحوث عنه وأيضا يمكن أن يكون « من » في قوله تعالىمِمَّا رَزَقْناهُمْللتبعيض .