وقد حظي الشيخ البهائي بمنزلة رفيعة لدى الشاه الصفوي عبّاس الأوّل وارتقى أهمّ منصب ديني في الدولة الصفوية وهو منصب مشيخة الإسلام .
وقد اشتاقت نفس البهائي إلى الفقر والسياحة وترك « تلك المناصب ومال لما هو لحاله مناسب » على حدّ تعبير السيد المدني في سلافته « 1 » .
فبدأ سياحته بحجّ بيت اللّه الحرام ومدينة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث استغرقت أربع سنوات ، ثمّ سافر إلى العراق لزيارة العتبات المقدّسة ، واستقرّ في مصر سنتان ، ورحل إلى الشام والقدس وبقي فيها ردحا من الزمان ، ثمّ ذهب إلى هرات ، وزار بعدها مرقد الإمام علي بن موسى الرضا صلوات اللّه عليه في خراسان ، ثمّ سافر إلى آذربايجان ، ورجع بعدها إلى إصفهان . وقد استغرقت سياحته هذه ثلاثين سنة كما ذهب إلى ذلك صاحب السلافة .
وقد التقى في سياحته هذه بعلماء وأدباء العالم الإسلامي آنذاك ودخل معهم في حوار علمي ومذهبي ، وقد سجل لنا التاريخ جزء يسيرا من تلك المباحثات والمناظرات الكثيرة .
وكان قدّس سرّه يحرص على عدم إظهار حقيقة مذهبه ويتظاهر بالمذهب الشائع في ذلك المصر فيعاشر كلّ فرقة بمقتضى طريقتهم ممّا دعا بعض علماء العامّة إلى أنّه على مذهبهم ، قال رضوان اللّه عليه :
وإنّي امرؤ لا يدرك الدهر غايتي * ولا تصل الأيدي إلى سبر أغواري
أخالط أبناء الزمان بمقتضى * عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري
واظهر أنّي مثلهم تستفزّني * صروف الليالي باختلاء وإمرار « 2 »
فكان يبتكر أساليب في التبليغ والترويج للمذهب الحقّ ، فمثلا
هامش
( 1 ) سلافة العصر : ص 290 .
( 2 ) لؤلؤة البحرين : ص 19 .