مستقلّ عنه بوجه . فكما أنّ المعلول حاضر بتمام وجوده لعلّته غير محجوب عنها ، كذلك العلّة حاضرة بوجودها لمعلولها الرابط لها القائم بها المستقلّ باستقلالها ، فهي معلومة لمعلولها علماً حضوريّاً .
قال الطباطبائي : « والقرآن الكريم أوّل كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع . فالكتب السماويّة السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم بالله ، وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل ، فإنّ العلم الحضوري عندهم كان منحصراً في علم الشيء بنفسه حتّى كُشف عنه في الإسلام ، فللقرآن المنّة في تنقيح المعارف الإلهيّة » « 1 » .
ومنشأ هذا العلم الحضوري والشهودي الحاصل لكلّ أحد ، هو أنّ الله سبحانه خلق الإنسان على فطرة التوحيد ؛ قال تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
( الروم : 30 ) ، ولعلّ في قوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
( الأعراف : 172 ) إشارة إلى هذه الحقيقة ، خاصّةً بالنظر إلى ما ورد في تفسيره عن أئمّة أهل البيت .
ذ عن زرارة قال : « سألت أبا عبد الله الصادق ( ع ) عن قوله :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
قلت : معاينةً كان هذا ؟ قال :
نعم ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ،
ولولا ذلك لم يدرِ أحد مَن خالقه ورازقه . . .
» « 2 » ، وكذلك ما ورد في بعض كلماتهم ( في دعاء عرفة ) :
« تعرّفت لكلّ شيء ، فما جهلك شيء »
. إلّا أنّ هذه المعرفة الحضوريّة بالله تعالى :
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، للعلّامة السيّد محمد حسين الطباطبائي ، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت لبنان ، الطبعة الثانية ، 1390 ه : ج 8 ص 241 .
( 2 ) تفسير العيّاشي ، تأليف : الشيخ أبي النضر محمد بن مسعود العيّاشي ، المتوفّى نحو 320 ه . تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة ، قم : ج 2 ص 173 ، الحديث رقم : 1651 .