الثاني : ما تكون تلك الأعراض أخصّ من الموضوع الأعمّ ، لكنّها ليست غيره ، كقولنا : العلّة موجودة ، فإنّ العلّة وإن كانت أخصّ من الموجود بما هو موجود ، لكن العلّية ليست حيثيّة خارجة عن الموجوديّة العامّة ، وإلّا لكانت باطلة الذات . وأمثال هذه المحمولات مع ما يقابلها تعود إلى قضايا مردّدة المحمول تساوي أطراف الترديد فيها الموجوديّة العامّة ، كقولنا : كلّ موجود إمّا واجب أو ممكن ، وإمّا بالفعل أو بالقوّة ، وإمّا واحد أو كثير ، وإمّا خارجيّ أو ذهنيّ ، ومن الواضح أنّ أكثر المسائل في الفلسفة مرجعها إلى القسم الثاني .
وعلى هذا الأساس ذكر في المتن أنّ الموضع الطبيعي لبحث الإلهيّات بالمعنى الأخصّ إنّما هو في مباحث الوجوب والإمكان ، لأنّهما معاً يشكّلان المحمول المساوي لموضوع العلم ، فكان من المناسب تخصيص بحث لبيان خصائص الوجود الواجبي وبيان صفاته وأسمائه وأفعاله في تلك المرحلة .
من هنا قد يُقال : إذن لماذا أُفرد بحث مستقلّ للإلهيّات بالمعنى الأخصّ وجُعل خاتمة الأبحاث الفلسفيّة جميعاً ؟ والجواب عن ذلك ، لعلّه يعود إلى :
1 توقّف بحوث الإلهيّات بالمعنى الأخصّ على عدد من الأصول والقواعد العقليّة التي يبحث عنها في الأمور العامّة من الحكمة الإلهيّة .
2 أنّ البحث في الإلهيّات بالمعنى الأخصّ ومعرفة أسمائه وصفاته تعالى ، يعدّ الغاية القصوى من الفلسفة الإلهيّة التي لم تسمّ بهذا الاسم إلّا لأجلها والغاية هي الكمال الأخير الذي يتوجّه إلى الفاعل في فعله ، فأُخّرت ليوافق
الوضع الطبع .
وهذا ما أشار إليه المصنّف في مقدّمة بداية الحكمة كما تقدّم ( وغايته ، معرفة العلل العالية للوجود ، وبالأخصّ العلّة الأولى التي إليها تنتهي سلسلة الموجودات وأسماؤه الحسنى وصفاته العُليا ، وهو الله عزّ اسمه ) .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 22
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢