هذا كلّه إذا وقف في المرّتين أو الثلاث ، وأمّا إذا ذهب متسلسلا من مناسب إلى آخر أو ضدّ وهلمّ جرّا تعذّر الوقوف على الأصل ، وهذا القسم يسمّى أضغاث الأحلام ، ولا يعبّر ويتّفق غالبا في الإنسان المحيل الخدوع أو الجدلي المنتقل ذهنه من مناسب إلى مناسب أو مضادّ .
هذا كلّه مع الحكاية ، وأمّا مع عدمها فلا يحتاج النوم إلى التعبير ، بل يكون عين بدا هنالك ويتّفق غالبا لمن ذهنه خالية عن التصرّف ، وللشخص قوي الحافظة ، ولذا قيل : إنّ الصدق يوجب صدق الرؤيا « 1 » ؛ وذلك لأنّ الصادق لا يتصرّف فيما يرى وينال ، بل يحفظه على ما هو عليه وعلى هيئته .
فظهر أنّ النوم أربعة أقسام :
أحدها : ما سبّبه مزاج أو نحوه ، ولا تعبير له .
ثانيها : أضغاث الأحلام ، ولا تعبير له أيضا ، لكن عدم التعبير فيه لعدم إمكان الوصول ، وفي القسم الأوّل لبطلان الرؤيا .
ثالثها : النوم الصادق غير المتصرّف فيه ، ولا تعبير له أيضا لعدم الحاجة .
رابعها : النوم الذي تصرف فيه بالحكاية ، وهذا القسم وحده محتاج إلى التعبير لتصرّف النفس فيه بحكاية ما نالته بصورة أخرى .
وليعلم أنّ المرئي الأصلي ربّما كان جزئيّا ، وربّما كان كلّيّا ويختلف حال التعبير بحسب اختلافهما ، فعلى المعبّر أن يحفظ رأى صاحب الرؤيا في غايته وغرضه وشغله وشأنه وعاداته وأفكاره عند نومه وصدقه وخلقه ومزاجه .
وبالجملة : جميع ما له دخل في الرؤيا ثمّ يحكم بما يريد وما بدا له .
هامش
( 1 ) أصل هذا القول يرجع للحديث النبويّ المشهور في كتب العامّة : « أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا » .