حدّ وجود الأمور الحقيقيّة ، فكذلك النسب التي بينها فهي لا تحيز حكما ولا توجبه ، وما تحيّزها من الأحكام إنّما تحيّزها بواسطة ما يقارنها من الأمور الأصليّة ، فإذا كانت النسبة التي بينها غير متغيّرة جرى البرهان في هذه الأمور بواسطتها ، وأمّا بدون ذلك فلا يجري .
ولو أخذ الأمر الاعتباري من حيث هو حقيقي كان له ثبوت ما فله معرف ما ، وعليه برهان فيما كان من الأمور الحقيقيّة التي لها ذلك .
لكنّ الذي ينبغي التنبّه له - وهو كالتفسير لما مضى سالفا - هو أنّ قولنا يؤخذ الاعتباري حقيقيّا لا نعني به أنّه يكون حينئذ شيئا من الماهيّات الحقيقيّة الموجودة ، وإن صار في بعض الأوقات كذلك ، بل المراد أنّ النسبة حينئذ تصير غير متغيّرة ، وهذا نظير الموجود بالوجود الذهني ، فإنّ الإنسان الموجود في الذهن إنسان بالضرورة ، وهو داخل تحت مقولة الكيف « 1 » - مثلا - ووجوده وجود العرض ، ومعنى الإنسان ثابت به غير متغيّر ، فعلى هذا قياس الأمر الاعتباري ، وقد أخذ حقيقيّا ، فحينئذ يصحّ البرهان عليه ، وأمّا تحديده أو رسمه بما يشتمل على جنس فلا ، بل إن رسم فبالخاصّة واللوازم ، كما عليه الحال في القسم الأوّل من الأمور الاعتباريّة التي بين أصول أطرافها نسب غير متغيّرة ، أو اخذت بحيث صارت كذلك ، فإنّه يجري عليها البرهان والرسم بالمعنى الذي ذكر ، وإلّا فلا البتّة .
هامش
( 1 ) مقولة الكيف : وهي من المقولات العشر ، تدلّ على ما هو عليه الشيء بحيث يمكن نفيه وإثباته ، ولا يقتضي لذاته قسمة ولا نسبة وأقسام الكيف أربعة :
1 - الكيف النفساني .
2 - الكيف الاستعدادي .
3 - الكيف المحسوس .
4 - الكيف المختصّ بالكمّيات .