الأشياء مربوط بعلله حتّى يتخصّص بواسطتها ويتحصّل بها ذاتا محصّلة ، فيكون المعنى المشتمل لعللها المحصّلة إيّاها يفيد فائدة الفصل ، ويلوح منه المعلول - أعني الشيء نفسه - ثمّ إذا وضع الشيء أيضا كان بمنزلة كمال الحدّ ونتيجة لذلك .
مثال ذلك : أنّا نحدّد الخسوف فنذكر علّة وجوده ، وهي حيلولة الأرض بينه وبين الشمس ، واشتمال مخروط الظلّ عليه بعد ما نذكر نفس المعلول ، وهو انمحاق الضوء الواقع ، فنقول : الخسوف انمحاق ضوء القمر المستفاد من الشمس بواسطة حيلولة الأرض بينه وبين الشمس ، واشتمال المخروط عليه .
وهذا المسلك بعينه إذا سلكناه في البرهان كان بقياسين ، وعلى عكس الترتيب في الحدّ فنضع أوّلا العلّة ونستنتج منها الكمال المذكور المعلول ، ثمّ نستنتج منه وجود الموضوع المحدود فنقول : القمر حالت الأرض بينه وبين الشمس ، وكلّما كان كذلك انمحق الضوء ، وكلّما كان كذلك حصل الخسوف ، فالقمر منخسف ، فيقع في القياس العلّة ، ثمّ المعلول ، ثمّ الموضوع على عكس ترتيب الحدّ ، ويسمّى المعنى المشتمل على العلّة مبدأ البرهان لتوسّطه فيه ، والمعنى المعلول نتيجة البرهان لكونه نتيجة القياس الأوّل ، وهذا هو المشاركة بين الحدّ والبرهان .
واعلم أنّ برهان ( اللم ) - كما عرفت « 1 » - يجب أن يشتمل على تمام العلّة التي بها يصير المعلول ضروريّا ، وكذلك الحدّ التامّ ، والعلّة التامّة هي مجموع العلل الأربع :
الفاعل ، والغاية ، والمادّة ، والصورة في المركّبات الخارجيّة وما يتلوها ، والأوّلان فقط في البسائط ، وتفصيل ذلك إلى الفلسفة الأولى ، ويكون حينئذ الحدّ هو الوسط في برهان ( اللم ) .
ثمّ نقول : كما ذكروا أنّ صورة كلّ شيء حيث كانت هي التي تطابق العين والأعراض ، والجواهر التي وجودها لغيرها ممتنع الانفكاك عن محلّ قابل لها كان
هامش
( 1 ) في الفصل الخامس من المقالة الثانية .