هذا ، وما ربّما يقال إنّ اللّه سبحانه قادر أن يصرف الماديّات عنها ، فلا تحسّ بها ، ولا تزاحمها ، ويجعل القوّة على رؤيتهم والارتباط بهم في بعض أشخاص الإنسان ، كالأنبياء عليهم السّلام ، فيختصّوا برؤيتهم وكلامهم - مثلا - فكلام يشبه بظاهره كلام المسلّمين من المسلمين وبباطنه يهدم أساس الدين ، إذ لو جاز مثل هذا الخطأ العظيم في الحسّ لم يثبت لنا نبيّ ولا كتاب ولا شرع ولا إعجاز ، ولحقنا بالسوفسطائيّة ، ولم يثبت توحيد حتّى تصل النوبة إلى الكلام في الملائكة على أنّ الضرورة تدفعه .
وما أثبتنا في محلّه من الخطأ في الحسّ إنّما هو الخطأ في الحكم الذي معه لا في المحسوس الحاصل عند الحسّ ، فما نراه من صغر النجوم - مثلا - فالذي عند الحسّ من نقطة بيضاء هو هذا القدر ، وهو ضروري بديهي ، والخطأ إنّما هو في حكمنا أنّ النجم في نفسه على هذا المقدار من الحجم على ما يثبته أحكام الزوايا المثلثيّة من حجمها .
ومنها : الأخبار الكثيرة الواردة في عصمتهم الذاتيّة ، وقد قال تعالى :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
« 1 » ، وقوله تعالى :
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
« 2 » .
فمن المعلوم أن لو كانت فيهم مادّة وهي حاملة للقوّة والإمكان ، وأفعالهم صادرة عن علم كان ذلك منهم اختياريّا متساوي الوجود والعدم ، كالإنسان ، ولم يكونوا مجبولين على الطاعة ، ولاستوجبوا بالطاعة مزيد الثواب ، مع أنّ العمالة منهم عمالة إلى أبد الأبدين من قبل ، وفي الدنيا والآخرة ، وفي الجنّة والنار .
ومنها : ما ورد « أنّ طعامهم التسبيح ، وشرابهم التهليل » أي أنّ قوام وجودهم الخارجي بالتوحيد والتنزيه ، وأمّا الحمد والتشبيه فلم يرد فيه نصّ ، غير ما في قوله
هامش
( 1 ) الأنبياء 21 : 26 و 27 .
( 2 ) فصّلت 41 : 38 .