والغرض في المقام بيان أنّ هذه الأصناف موجودات مفارقة للمادّة بين مثالي ومجرّد تامّ ، والبرهان المذكور في أوّل الرسالة يثبت هاهنا أنّ لكلّ من موجودات عالمنا المادّي مرتبة من المثال ومرتبة من العقل هما في طوله ، وهو المطلوب ، وفي الآيات والأخبار شواهد على ذلك .
منها : قوله تعالى :
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
« 1 » .
وقوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
« 2 » .
وقوله تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
« 3 » .
ومن المعلوم أنّ هذا القلب ليس المراد به اللحم الصنوبري المعلّق عن يسار المعدة ، بل هو الذي يفهم ويعقل وهو النفس ، فنزوله على القلب لا يستقيم إلّا مع كون وجود النازل مجرّدا في الجملة ، كوجود المعنى .
وقوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
« 4 » ، ومثلها آيات اخر ، إذ ظاهرها أنّ إنزال الملك بلباسه الملكي ووجوده الملكوتي ملازم لقضاء الأمر ، وعدم الإنظار ، ودخول الناس في نشأة ما بعد الموت ، حتّى يتسانخوا ويتجانسوا مع الملائكة ، وتلك نشأة مفارقة للمادّة ، فوجود الملائكة منها فهي مفارقة .
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 97 .
( 2 ) الشعراء 26 : 193 و 194 .
( 3 ) النجم 53 : 11 و 12 .
( 4 ) الأنعام 6 : 8 و 9 .