مكان طرفة عين ، حاضر غير محدود ، وغائب غير مفقود » « 1 » .
وهذا هو السرّ في أنّنا لا نجده « تعالى » يقيم في كتابه المجيد برهانا على أصل الذات ، وإنّما يبرهن على الصفات ، فيبرهن مثلا على أنّ للعالم صانعا وربّا وخالقا ومرجعا ونحو ذلك . .
ومنها : أنّ البرهان على وجود الواجب تعالى برهان على توحيده ، فإنّ الذي يدلّ عليه صريح البرهان على وجوده ، هو أنّ الواجب تعالى هو الوجود الحقّ ، غير المحدود بأي حدّ على الاطلاق ، وهذا هو بعينه التوحيد ، فإنّ من كان هذا شأنه لا يتصوّر له العقل ثانيا ، فإنّ حرف الشيء لا يحتمل التعدّد ، وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام :
« ومعرفته توحيده » .
ومنها : أنّ وحدة الواجب تعالى ليست عددية ، حتّى يتميّز في الوجود عن غيره ، وينفصل عنه بحدّ يؤدّي التعدّد . . بل إنّ وحدته بمعنى : أنّه تعالى لا يشاركه شيء في معنى من المعاني ، فهو ربّ خالق ، منه كلّ شيء ، وبه كلّ شيء ، وإليه كلّ شيء ، وغيره مربوب مخلوق ، منه وبه وإليه وجوده .
وهذه المسألة وأمثالها هي من المسائل التي بقيت مجهولة ، لم تحل منذ دوّنت في الفلسفة الإلهيّة ، حتّى وفق إلى حلّها بعض فلاسفة المسلمين المتأخّرين ، مستفيدا من كلامه عليه السّلام ومهتديا بنور علمه .
هامش
( 1 ) معاني الأخبار : 10 ، باب معنى التوحيد والعدل ، الحديث 1 .