وعند ذلك يتحيّر العقل في قضائه ، ولا يجد مناصا من أنّ يجلّه تعالى عن التوصيف ، وينفي عنه ثانيا ، ما وصفه به أوّلا ، بل وينفي حتما هذا النفي ، الذي هو توصيف بنحو .
وهذا هو الذي أشار إليه عليه السّلام بقوله قبل هذا الكلام :
« الّذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الّذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود » « 1 » .
ومن أجمل وألطف كلامه في هذا الباب قوله الآتي نقله :
« لا يشمل بحدّ ، ولا يحسب بعدّ ، وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلات إلى نظائرها » « 2 » .
فمثل العقل بالنسبة إلى معرفة اللّه سبحانه ، كمثل الإنسان يغترف ماء البحر بكفّه ، فالكفّ في اغترافها لا تريد إلّا الماء من غير أن تحدّه بحدّ ، لكنّها لا تنال إلّا ماء بقدر . .
وقد عدّ عليه السّلام عجز العقل هذا معرفة ؛ إذ بدأ بالمعرفة ، وختم بهذه المرحلة .
هامش
( 1 ) شطر من الخطبة الأولى في نهج البلاغة : 39 ، خطبة يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض ، وخلق آدم عليه السّلام ، وفي غرر الحكم : 81 ، الحديث 1280 ، الفصل الأوّل في معرفة اللّه تعالى ، في حقيقته تعالى ، ولكن ورد : « لا يدركه ، وبعد الهمم لا يبلغه » .
( 2 ) نهج البلاغة : 272 ، الخطبة 186 ، في التوحيد .