قياس المأثور من كلامه عليه السّلام بكلام غيره
بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في عصر سمّاه القرآن : « عصر الجاهليّة » وما أحراه بهذا الاسم ، وكان عامّة العرب آنذاك أمّيّين ، لا يقرأون ولا يكتبون ، ولم يكن فيهم أثر للعلم والثقافة ، وليس لديهم شيء من سنن المدنيّة ، بل كانت حياتهم حياة فوضى وهمجيّة ، يرتزقون من قطع الطرق ، وشنّ الغارات ، وينشدون الأشعار في المباهاة بسفك الدماء ، وهتك الحرمات ، والمفاخرة بآبائهم وأسلافهم .
وقد أثبتت البحوث والدراسات في « الأخلاق الإنسانيّة وأسبابها » أنّ الأمّة التي هذه حالها ، وعلى ذلك جرت سنّتها ، تكون مرتعا خصبا للعصبيّة الجاهليّة العمياء ، التي هي السمّ الناقع للفلسفة الإلهيّة ، فإنّ العصبيّة تذهب باستعداد النفس الإنسانيّة لتقبّل الحقّ ، ولا تبقي من ذلك الاستعداد شيئا .
ومن الصعب جدّا أن يتهيّأ لأمّة هذا حالها ظرف صالح ، يخرج تلك الأمّة من ظلم الجهالة ، وينفي عنها رذائل الأعمال المهلكة ، ويعوّضها عنها :
أوّلا : بالأعمال الصالحة ، ويلهمها .
ثانيا : الحكمة والموعظة الحسنة ، ثمّ ينتهي الأمر بها .
ثالثا : إلى الفلسفة الإلهيّة ، وعند ذلك يتمّ الكمال الإنساني ، وتلتقي سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وإلى ربّك المنتهى . .