اللّه سبحانه :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
« 1 » ؛ لما ترى من تفاوت الجزائين في الآية .
وكذا قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 2 » .
والاعتبار العقلي أيضا يساعده ، فإنّ الحبّ أو الشوق إلى الشيء هو الموجب للتوجّه إليه ، فالتوجّه وهو العمل ، يثبت الحبّ والشوق ، وذلك العلم ، وكلّما تأكّد ثبوت الشيء ثمّ ظهور آثاره وكلّ ما يرتبط به ويتعلّق عليه .
وبالجملة فهذه المعرفة المحتاجة إلى العمل والتي يتصوّر تحصيله على أحد وجهين : سير آفاقي ، وسير أنفسي .
والأوّل هو التفكّر والتدبّر ، والاعتبار بالموجودات الآفاقيّة الخارجة عن النفس من صنائع اللّه وآياته في السماء والأرض ؛ ليورث ذلك اليقين باللّه وأسمائه وأفعاله ؛ لأنّها آثار وأدلّة ، والعلم بالدليل يوجب العلم بالمدلول بالضرورة .
والثاني هو الرجوع إلى النفس ، ومعرفة الحقّ سبحانه من طريقها ؛ إذ هي غير مستقلّة الوجود محضا ، ومعرفة ما هو كذلك من حيث هو كذلك ، لا تنفكّ عن معرفة المستقلّ الذي يقوّمه ، أو المعرفتان واحد بوجه .
فهذان طريقان ، إلّا أنّ الحقّ أنّ السير الآفاقي وحده لا يوجب معرفة حقيقة ، ولا عبادة حقيقة ؛ لأنّ إيجاب الموجودات الآفاقيّة للمعرفة ، إنّما هو لكونها آثارا وآيات ، لكنّها توجب علما حصوليّا بوجود الصانع تعالى وصفاته .
وهذا العلم متعلّق بقضيّة ذات موضوع ومحمول واقع عليها ، وهما من المفاهيم .
والحقّ سبحانه ، قد قام البرهان على أنّه سبحانه وجود محض ، لا مهيّة له ،
هامش
( 1 ) سورة الشورى : الآية 20 .
( 2 ) سورة فاطر : الآية 10 .