ثمّ هي تسلك بالنسبة إلى الطبقة الثانية بما سلكته هي بالنسبة إلى الثالثة مع زيادات خاصّة من الأحكام الخلقيّة وغيرها .
وعمدة الفرق بين الطائفتين في قوّة العلم وتأثيره ، وضعف ذلك ، كما عرفت .
ثمّ تسلك بالنسبة إلى الطبقة الأولى بأدقّ من مسلكه في الثانية والثالثة ، فربّ مباح أو مستحبّ أو مكروه بالنسبة إليها ، هو واجب أو محرّم بالنسبة إلى الطبقة الأولى ، فحسنات الأبرار ، سيّئات المقرّبين ، إلّا أنّ ذلك كذلك عندهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم .
وتخصّها أيضا بأمور وأحكام غير موجودة في الثانية والثالثة ؛ ولا غير هذه الطبقة تكاد تفهم شيئا من تلك المختصّات ، ولا يهتدي إلى طريق تعليمها .
وذلك كلّه لما أنّ ميز طبقتهم وأساسها المحبّة الإلهيّة دون محبّة النفس . فالفرق بينها وبين الآخرين في نحو العلم والإدراك ، دون قوّته وضعفه وتأثيره وعدمه .
ولئن شئت أن تعقل شيئا من ذلك في الجملة ، فعليك بالتأمّل التامّ في أطوار الاتّحاد .
فللمعاشرة أحكام ، وللصداقة أحكام ، وللخلّة أحكام ، ولكلّ من المحبّة والعشق والوجد والوله وما يسمّى فناء ، أحكام أخر ، وكلّ حكم مختصّ بمرتبة نفسه لا يتعدّاها إلى غيرها أبدا .
والمحصّل أنّ الشرائع الإلهيّة ، وخاصّة الشريعة الإسلاميّة ، تروم في جميع جزئيّات الأمور وكلّياتها ، نحو غرضها المذكور ، وهو توجيه وجه الإنسان للّه ، وصرفه إليه سبحانه .
وذلك بتكوين الملكات والأحوال المناسبة لذلك ، بواسطة الدعوة إلى الاعتقادات الحقّة ، والأعمال المولدة للحالات الزاكية النفسانيّة الموصلة إلى الملكات المقدّسة .
ويظهر ذلك تمام الظهور لمن تتبّع تضاعيف الكتاب والسّنّة ، فمن الواضح منها
الإنسان والعقيدة — صفحة 220
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٢٠