العلوم عن قنواته الخاصّة ، واستغرق في متاهات وفوضى لا متناهية ، هي أقرب للتمارين الذهنية منها للتفكير المنطقي المنتظم .
لكن الطباطبائي حاول أن يضع حدّاً لهذه الفوضى العقلية ، بتفكيكه بين هذين النوعين من الإدراكات ، وتحديد هوية كلّ منهما وحدوده وحقله الخاصّ ، ونوع المعارف والعلوم التي تعتمده في قوانينها وأحكامها ومفهوماتها » « 1 » .
وهذا ما نجده واضحاً في تعليقاته على كتاب « كفاية الأُصول » للآخوند الخراساني ، حيث حاول أن ينقّح المباني الأُصولية من خلال المنهج المتّبع
في العلوم الاعتبارية ، ويفصله تماماً عن المنهج المتّبع في دراسة العلوم الحقيقية البرهانية ، فإنّه بيّنَ في مقدّمة « 2 » تلك التعليقات أنّ علم الأُصول مع أهميّته ودقّته وعمقه لا ينبغي تصنيفه في العلوم البرهانية ، وإنّما يعدّ من العلوم الاعتبارية .
إسهاماته في مجال البحث الفلسفي
« ربما يحسب بعض الباحثين الجهود الفلسفية للعلّامة الطباطبائي أنّها ليست إلّا شروح وهوامش على مقولات وآراء مدرسة الحكمة المتعالية .
غير أنّ دراسة الآثار الفلسفية للطباطبائى تدلّ على أنّه ليس مجرّد شارح لأفكار ملّا صدرا ، فمع أنّ آثار الطباطبائي تنخرط في سياق مدرسة الحكمة المتعالية ، إلّا أنّه فيلسوف تبلورت آراؤه وإبداعاته الفلسفية الخاصّة في نسق هذه المدرسة ، كما هي آراء أىّ فيلسوف آخر ينتمى لإحدى المدارس الفلسفية ، ويواصل التأسيس والإبداع في إطار نظامها الفلسفي .
ولعلّ مراجعة عاجلة لآثار الطباطبائي تكشف لنا عن تجلّى سمات الإبداع الفلسفي فيها ، والذي يضعه في موقع الفلاسفة الكبار الذين ساهموا بإحياء
هامش
( 1 ) تطوّر الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية : ص 183 .
( 2 ) حاشية الكفاية ، العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، تعليقته على قوله : « موضوع كلّ علم » ، ص 12 .