بيدَ أنّه يرى أنّه كان علينا أن ننتبه إلى التغيّر الذي يطرأ على تلك المسمّيات المادّية ، فهي محكومة بالتبدّل دائماً تبعاً لتبدّل الاحتياجات ذاتها وسيرها في طريق التحوّل والتكامل .
على سبيل المثال اكتسب السراج الذي يستضىء به الإنسان صيغة بدائية تتألّف من فتيلة وشىء من الزيت ، ثمّ لم يزل يتكامل حتّى بلغ اليوم السراج الكهربائي بحيث تلاشت أجزاء السراج الذي صنعه الإنسان في البداية ووضع بإزائه لفظ السراج .
كذلك الحال في الميزان في استخدامه الأوّل ، وما بلغه الآن من تحوّل وتكامل حيث صارت إحدى مصاديقه الميزان الذي تُوزن به درجة الحرارة مثلًا .
الأمر نفسه ينطبق على القوّة في قوله سبحانه :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
( الأنفال : 60 )
بين ما كان يدلّ عليه من مصاديق سابقاً وبين مصاديقه الحاضرة .
وفى جميع هذه الأمثلة وغيرها ، بلغت المسمّيات حدّاً من التغيير إلى درجة فقدت معها جميع أجزائها السابقة ذاتاً وصفةً ، والاسم مع ذلك باق ، وليس ذلك إلّا لأنّ المراد في التسمية إنّما هو الشئ في غايته لا شكله وصورته ، فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقياً كان اسم الميزان والسراج وغيرهما باقياً على حاله .
إذاً كان حريّاً بالإنسان أن ينتبه أنّ المدار في صدق الاسم
اشتمال المصداق على الغاية والغرض ،
لا جمود اللفظ على صورة واحدة ، فذلك ممّا لامطمع فيه البتّة ، ولكنّ العادة والأُنس منعانا من ذلك . وهذا هو الذي دعا المقلّدة من أصحاب الحديث من الحشوية والمجسّمة إلى أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير ، وليس هو في الحقيقة جموداً