القلبية المدركة للمفهومات وأوائل المعقولات والمسلّمات المقبولات . وتارةً يُراد بالسمع سماع المواعظ والحكم الإلهية والآيات الإلهية ، وبالبصر مشاهدة أولياء الله وأحبّائهم ومعارفهم وتصديق حالهم ، وبالفؤاد الروح القدسي الواصل إلى الله تعالى بنور العرفان .
وهذه المعاني الأخيرة ممّا لا اشتراك لجميع الناس فيه ، بل تختصّ بالمقرّبين ، وكذلك معانيها المتوسّطة ممّا لا يشترك الجميع فيه ، إلّا أنّها أشمل وجوداً من الأخيرة ، بل تختصّ بالمتوسّطين من الناس وهم أصحاب اليمين وأهل السعادة العملية ، الفائزون بنعيم الآخرة بميراث عملهم ، إن لم تكن أعمالهم مشوّشة مغشوشه بالجهل المركّب والاستبداد
بالرأي .
فإذا علمت هذا فاعلم أنّ قوله :
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
( السجدة : 9 ) لمّا وقع في معرض الامتنان وإظهار الإحسان ، فالظاهر أنّ المراد بالسمع والبصر هاهنا ما يختصّ بأحبّاء الله والمتألّهين والمقرّبين ، لا المُبعدين الناكرين ممّن ليس لهم نصيبٌ من القرآن ، وهم عن السمع لمعزولون
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( الأنفال : 23 ) .
ولو كان لفظ السمع والبصر والقلب أينما وقع في القرآن كان المراد منه ما وقع فيه الاشتراك لجميع الناس من هذه المشاعر الحسّية الدنيوية ، لما سلب الله سبحانه معانيها عن أهل الكفر والجهل بقوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة : 171 ) ، مع وجود هذه الآلات فيهم ، وكذا قوله :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
( الأعراف : 179 ) لعدم انتفاعهم بهذه الآلات بصرفها فيما خُلقت