بذات البارئ سبحانه ، وإلّا فمن دون هذا الشهود لا تنفع الإنسان آلاف الأفكار العقلية والفلسفية والذهنية في دفعه إلى الخضوع والخشوع .
فحتّى مع وجود الاستدلالات الصحيحة القائمة على أساس البرهان الصحيح والأقيسة السليمة ، فهو يبقى يعيش تزلزلًا روحياً واضطراباً
وجدانياً ، حيث لا تبلغ به الاستدلالات وحدها أجواء الاطمئنان وعوالم السكينة والهدوء .
أمّا التفكير العقلي فهو يبعث على التعادل وتوازن العواطف والأحاسيس الباطنية ، ويحول دون الميول المتخيّلة والأوهام الواهية ، ثمّ يضع ذلك الشهود والوجدان يجريان في مسيرهما الصحيح . فمن دون التفكير العقلي ينحرف ذلك الشهود عن مجراه الصحيح ويجرّ الإيمان إلى التخيّلات والأوهام ، بحيث ينجذب الإنسان بأقلّ عارض يطرأ على القلب ، ويبتلى بذلك دائماً .
حيال ذلك يتبيّن أنّ الصراع القائم حول العقل والحبّ ، وأيّهما يتقدّم على الآخر لا موضوع له . فوظيفة الحبّ ووظيفة العقل وظيفتان متميّزتان ينفصل بعضهما عن الآخر ، لكلٍّ منهما مسار خاصّ ومجرىً معيّن ، وهما يستوطنان في موقعين إدراكيين ، وكلاهما لازم ؛ إذ من الخطأ إعمال أحدهما وتضييع الآخر وإهماله .
الشرع بدوره يقوّيهما كليهما ، ويمدّ المصاب بالضعف فيهما بالقوّة ، لأنّ العقل والقلب والشرع تحكى ثلاثتها عن حقيقة وواقعية واحدة ، وهى بمنزلة ترجمان لمعنىً واحد .
لذا من المحال أن يخالف حكمُ الشرع حكمَ العقل والفطرة ، أو أن يخالف حكمُ العقل حكمَ الفطرة
أو الشرع ، كما من المحال أن يخالف حكمُ الفطرة حكمَ العقل أو الشرع . إنّ هذه العناصر الثلاثة المهمّة يحافظ بعضها على بعض دائماً كحلقات السلسلة ، ويسعى كلّ واحد منهما لتثبيت العنصرين الآخرين .
أصول التفسير والتأويل — صفحة 43
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٣