وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
( طه : 126 124 ) ، وقال تأكيداً لهذا :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( الإسراء : 72 ) .
« ومعلوم أنّ بين الذكر والعين الباصرة ليست
مناسبة بوجه من الوجوه ، فالمراد بهما العين القلبية ، وبالغطاء الحجب المانعة لها عن رؤيتها ومشاهدتها ، وبالذكر المعرفة الحاصلة من تلك المشاهدة كشفاً وشهوداً ، وكذلك النسيان المنسوب إليها ، فإنّ النسيان من عوارض القلب وعماه ، كما هو الذكر من خواصّه ولوازمه .
وأيضاً لو كان المراد بالعمى عمى البصر لكان خارجاً عن العدل ، فإنّ عدله يقتضى أن يحشر الإنسان في القيامة مستوى الخلقة والقامة ، ولو كان في الدنيا ناقصاً ، وخصوصاً إذا كان من أهل الجنّة وكان ورعاً صالحاً ، فإنّه لا يجوز أن يكون ناقص الخلقة .
سلّمنا أنّه صفة الكفّار فيجب أن يكون تامّ الخلقة تأكيداً للحجّة عليه ، مع أنّه مقرّ بأنّه كان بصيراً في الدُّنيا فكيف يحشر أعمى من حيث الصورة ، بل عماه وحشره عليه يكون من حيث المعنى لا غير ، ويُعرف هذا من صفة الكفّار في الدُّنيا ، لأنّ الله تعالى وصفهم بالصمّ والبكم والعُمى وبأنّهم لا يعقلون
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة : 171 ) والحال أنّهم يسمعون وينطقون ويُبصرون ويعقلون فيكون حينئذ تقديره : إنّهم لا يسمعون في الحقيقة ولا يبصرون على التحقيق
بعين البصيرة ، وكذلك النطق والتعقّل . ولهذا يقولون في معادهم يوم القيامة :
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
( الملك : 10 ) .
والذي قال تعالى أيضاً :
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا