من هذه الجهة صار من الصعب تدوين السيرة الفلسفية والعلمية للأُستاذ العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه لأنّ الأفكار الفلسفية لهذا الحكيم المتألّه تشهد في أعماقها خشوع عباد الله الخلّص ، وتتجلّى في جميع أركانه العبادية بصائر علمية عميقة ، ويصدق عليه التعبير الرفيع للمحقّق الطوسي قدّس سره في « شرح الإشارات » : كان وافر الحظ من نقاء السريرة واستقامة السيرة معاً ، وهذان شرطان لتحصيل الحكمة « 1 » .
فمن جهود هذا الفيلسوف الإلهى التي لا يشوبها شئ ، في نشر معارف الكتاب وسنّة المعصومين عليهم السلام نعرف أنّه من زمرة أولياء الله ، الذين « بهم عُلم الكتاب وبه عُلموا » كما في نهج البلاغة .
كما يمكن القول : إنّ هذا الحكيم الإلهى الكبير هو من جملة المؤمنين الخلّص ، الذين امتحن الله تعالى قلوبهم للإيمان الكامل ، حتّى اجتمعت جنود العقل في روحه المنيفة السامية ، وأُجليت جنود الجهل عن حريم أمن هذا الولىّ .
قال الإمام الصادق عليه السلام بعد أن
استعرض جنود العقل والجهل في حديث سماعة بن مهران : « فلا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل إلّا في نبىّ أو وصىّ نبىّ ، أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان » « 2 » .
بناءً على ذلك ، لن يكون من السهل تحليل البُعد الفلسفي والعلمي في شخصية هذا الفيلسوف المتألّه ، كما ليس سهلًا أيضاً التزام الصمت والإمساك عن الكتابة والإغضاء عن ترجمة عقل الأُمّة هذا .
لذا كان من الأليق أن نكتفي بالميسور ، تاركين التتمّة للأعلام من الحكماء ، عائدين بالتكملة إلى ذوى الهمّة من أهل النظر « 3 » .
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، للشيخ أبى على الحسين بن سينا ، مع الشرح للمحقّق نصير الدين محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي ، وشرح الشرح للعلّامة قطب الدين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر الرازي ، الناشر : دفتر نشر الكتاب ، الطبعة الثانية 1403 ه : ج 3 ص 420 .
( 2 ) الأُصول من الكافي ، لثقة الإسلام أبى جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ، دار صعب ، دار التعارف للمطبوعات ، الطبعة الرابعة : 1401 ه : ج 1 ص 23 ، كتاب العقل والجهل ، الحديث : 14 .
( 3 ) هذا البحث أخذناه من كتاب : العلّامة الطباطبائي ، ملامح في السيرتين الشخصية والعلمية : ص 429 ص 434 .