موقفان إزاء المثل في القرآن
قلنا أنّ القرآن اعتمد الأمثال لإيصال المعارف العالية إلى سطح الأفهام العامّة التي لا تدرك إلّا الحسّيات ولا تنال المعاني الكلّية إلّا في قالب الجسمانيات ، واستلزم ذلك أحد محذورين :
« فإنّ الأفهام في تلقّيها المعارف المُرادة منها إن جمدت في مرتبة الحسّ والمحسوس انقلبت الأمثال
بالنسبة إليها حقائق ممثّلة ، وفيه بطلان الحقائق وفوت المرادات والمقاصد ، وإن لم تجمد وانتقلت إلى المعاني المجرّدة بتجريد الأمثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة والنقيصة . ولا مخلص عن هذين المحذورين إلّا بتفريق المعاني الممثّل لها إلى أمثال مختلفة ، وتقليبها إلى قوالب متنوّعة حتّى يفسّر بعضها بعضاً ، ويوضح بعضها أمر بعض ، فيعلم بالتدافع الذي بينها :
أوّلًا : أنّ البيانات أمثال ولها في ما وراءها حقائق ممثّلة ، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحسّ والمحسوس .
ثانياً : بعد العلم بأنّها أمثال ، يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام ، وما يجب حفظه منها للحصول على المرام ، وإنّما يحصل ذلك بأنّ هذا يتضمّن نفى بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك ، وذاك نفى بعض ما في هذا .
وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعدِّدة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوّعة ، أمرٌ دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم ولغة دون لغة ، وليس ذلك إلّا لأنّ الإنسان يشعر
بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفى الخصوصيات الموهمة لخلاف