*
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( البقرة : 37 34 ) .
تكرّر ذكر هذه القصّة في القرآن في مواضع
متعدّدة ، كسورة الأعراف وسورة طه ، حيث وصفت بدء خلق الإنسان ، وما جرى هناك من أمر الملائكة بالسجود له ، وسجودهم وإباء إبليس ، وتغريره بآدم وزوجه وخروجهما من الجنّة ، وما قضى الله في ذلك من القضاء .
ولست بصدد الوقوف على تفاصيل هذه القصّة القرآنية ، إلّا أنّ الذي ينبغي الوقوف عليه أنّ هناك اتجاهاً في فهم وقائع هذه القصّة بنحو يختلف عن الفهم المتعارف لها . قال الطباطبائي معلِّقاً على هذه القصّة : « والقصّة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا ، وتضمّنت أمراً وامتثالًا وتمرّداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعيّة والمولوية ، غير أنّ البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلًا للتكوين ، بمعنى أنّ إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال ، أي الخضوع للحقيقة الإنسانيّة ، فتفرّعت عليه المعصيّة ، ويشعر به قوله تعالى :
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها
( الأعراف : 13 ) ، فإنّ ظاهره أنّ هذا المقام لا يقبل لذاته التكبّر ، فكان تكبّره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه .
على أنّ الأمر بالسجود كما عرفت أمرٌ واحدٌ توجّه إلى الملائكة وإبليس جميعاً بعينه ، والأمر
المتوجّه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولويّاً تشريعيّاً ، بمعنى الأمر المتعلّق بفعل يتساوى نسبة مأموره إلى الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة ، فإنّ الملائكة مجبولون على الطاعة ، مستقرّون في مقرّ السعادة ، كما أنّ إبليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه .