وقد حاولت أن أجلس بين يديه رعاية للأدب . بيد أنّى لم أفلح ولم أوفّق لذلك أبداً . عندما كنت أفعل
ذلك ، كان ينهض ويقول : معنى فعلك أنّه يجب علىّ أن أجلس عند الباب أو أخرج من الغرفة ! « 1 »
أمضى هذا الحكيم المتألّه عمره في التدريس دون أن يقبل أن يرقى المنبر ، بل كان يجلس إلى الأرض يتحلّق الطلاب من حوله ، فيلقى الدرس وهو شبه مطرق من شدّة الحياء ، والأكثر من ذلك كان يرفض أن يجلس أثناء إلقاء الدرس على سجّادة أو فراش خاصّ يميّز مجلسه عن بقيّة الحضور . وأروع ما كان يعلّل به رفضه للفراش الإضافى قوله لتلاميذه : لو صرتُ أعلى منكم بمقدار سمك السجّادة أو الفراش الإضافى لما استطعت أن أتحدّث !
ظلّ العلّامة يرفض بشدّة أن يسير وراءه التلاميذ والمؤيّدون والأصحاب ، بل لم يكن يرضى ذلك حتى لأفراد أسرته ، هذا نجله يذكر أنّه سار خلف والده يوماً من أيّامه الأخيرة في الحياة ، وهو ذاهب إلى الحرم كي يحتاط لما قد يقع له وقد اشتدّ به مرض القلب والأعصاب ، فما كان من السيّد الطباطبائي إلّا أن التفت إليه سائلًا : إلى أين تريد ؟ أجاب الابن : ألستَ ذاهباً إلى الحرم ؟ قال السيّد : أجل . ردّ الابن : وأنا أريد الذهاب إلى الحرم أيضاً . ردّ الوالد : لم تعد صغيراً ، اذهب إلى الحرم وحدك ، وليس ثمّة ضرورة
بأن ترافقنى !
ظلّ يتبضّع احتياجاته للمنزل بنفسه ، وقد سجّل بعضهم أنّه كان يراه يقف في الصفّ مع الناس بانتظار أن تحين فرصته ليستلم أرغفة الخبز « 2 » .
ويروى تلميذه الطهراني صورة أخرى من تواضعه فيقول : عندما كنت طالباً في الحوزة بقم كنت كثير التردّد إلى منزل أستاذي العلّامة الطباطبائي ، ومن الحسرات التي ظلّ يختزنها فؤادي ، حرماني من الاقتداء به في الصلاة ، لأنه كان يمتنع عن أن يتقدّم على أحد . وفى شهر شعبان عام 1401 ه تشرّف بزيارة مشهد
هامش
( 1 ) مهر تابان ، ترجمة : جواد على كسّار : ص 362 .
( 2 ) العلّامة الطباطبائي ، ملامح في السيرتين الشخصية والعلمية : ص 293 .