ما تصدّقه هذه القوّة على ما يعطيه غيرها من التصديقات والأفكار ، وغفلته عمّا يقتضيه غيرها .
والتجربة تصدّق ذلك ، فإنّ هذا الانحراف الذي نشاهده في الأفراد المسرفين المترفين من حلفاء الشهوة ، وفى البغاة الطغاة الظلمة المفسدين أمر الحياة في المجتمع الإنسانى ، فإنّ هؤلاء الخائضين في لجج الشهوات ، العاكفين على لذائذ الشرب والسماع ، لا يكادون يستطيعون التفكّر في مسؤوليات المجتمع الإنسانى ومهام الأُمور التي
يتنافس فيها أبطال الرجال ، وقد تسرّبت روح الشهوة في قعودهم وقيامهم واجتماعهم وافتراقهم وغير ذلك . وكذلك الطغاة المستكبرون لا يتأتّى لهم أن يتصوّروا رأفة وشفقة ورحمة وخضوعاً وتذلّلًا حتّى فيما يجب فيه ذلك ، وحياتهم تمثّل حالهم الذي هم عليه في جميع مظاهرها .
فهؤلاء جميعاً سالكو طريق الخطأ في علومهم ، كلّ طائفة مكبّة على ما تناله من العلوم والأفكار المنحرفة المتعلّقة بما عندها ، غافلون عمّا وراءه ، وفيما وراءه العلوم النافعة والمعارف الحقّة الإنسانية . فالمعارف الحقّة والعلوم النافعة لا تتمّ للإنسان إلّا إذا صلحت أخلاقه وتمّت له الفضائل الإنسانية القيّمة ، وهى التقوى .
فقد تحصّل أنّ الأعمال الصالحة هي التي تحفظ الأخلاق الحسنة ، والأخلاق الحسنة هي التي تحفظ المعارف الحقّة والعلوم النافعة والأفكار الصحيحة ، ولا خير في علم لا عمل معه .
لذا يرى القرآن أنّ اتّباع الشهوات يسوق إلى الغىّ ؛ قال تعالى :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
*
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
. . ( مريم : 60 59 ) . والغىّ