اضطهاداً ربما بلغ بها إلى حدّ البطلان أو كاد يبلغ .
إذن فمن الواجب لهذا النوع وهو الإنسان أن لا يدع قوّة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط وتميل عن حاقّ الوسط إلى طرفي الزيادة والنقيصة ، فإنّ في ذلك خروج جزء المركّب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب ، وفى ذلك خروج المركّب عن كونه ذاك المركّب ، ولازمه بطلان غاية التركيب التي هي سعادة النوع .
وحدّ الاعتدال في القوّة الشهوية وهو استعمالها على ما ينبغي كمّاً وكيفاً يسمّى عفّة ، والجانبان في الإفراط والتفريط الشره والخمود .
وحدّ الاعتدال في القوّة الغضبية هو الشجاعة ، والجانبان التهوّر والجبن .
وحدّ الاعتدال في القوّة الفكرية يسمّى حكمة ، والجانبان الجربزة والبلادة .
وتحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج وهى التي تسمّى عدالة ، وهى إعطاء كلّ من القوى حظّها بما لا
تزاحم به القوى الأُخرى . إذن فالإنسان لا يتمّ له معنى الإنسانية إلّا إذا عدّل قواه المختلفة تعديلًا يورد كلًا منها وسط الطريق المشروع لها .
ولا ريب أنّ الإنسان في أوّل وجوده في هذه النشأة صفر الكفّ من هذه العلوم والمعارف الوسيعة
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
( النحل : 78 ) حتّى تشعر قواه بحوائجها وتقترح عليه ما تشتهيه وتطلبه ، وهذا الشعور هو مبدأ علوم الإنسان ومعارفه ، ثمّ لا يزال يعمّم ويخصّص ويركّب ويفصّل حتّى يتمّ له أمر الأفكار الإنسانية . من هنا يحدس اللبيب أنّ توغّل الإنسان في طاعة قوّة من قواه المتضادّة وإسرافه في إجابة ما تقترح عليه يوجب انحرافه في أفكاره ومعارفه بتحكيم جميع