بالتصديق ، على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من إدراك الحقّ والباطل في النظريات ، والخير والشرّ والمنافع والمضارّ في العمليات حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في أوّل وجوده ، ثمّ جهّزه بحواسّ ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء ، وبأُخرى باطنة يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف ونحو ذلك ، ثمّ يتصرّف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضى فيها في النظريات والأُمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاءً نظرياً ، وفى العمليات والأُمور المربوطة بالعمل قضاءً عملياً ، كلّ ذلك جرياً على المجرى
الذي تشخّصه له فطرته الأصلية ، وهذا هو العقل » « 1 » .
بعد أن اتّضح معنى العقل نقول : إنّ الحياة الإنسانية قائمة على أساس الإدراك والفكر ، ولازم ذلك أنّ الفكر كلّما كان أصحّ وأتمّ كانت الحياة أقوم . وقد دعا القرآن إلى الفكر الصحيح وترويج طرق العلم في آيات كثيرة وبطرق وأساليب متنوّعة كقوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
( الأنعام : 122 ) ،
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
( الزمر : 9 ) ،
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( المجادلة : 11 ) ،
فَبَشِّرْ عِبادِ
*
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
( الزمر : 18 17 ) .
ولم يعيّن في الكتاب العزيز هذا الفكر الصحيح القيّم الذي يندب إليه إلّا أنّه أحال فيه إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطرية وإدراكهم المركوز في نفوسهم ، ولو تتبّعت الكتاب الإلهى ثمّ تدبّرت في آياته
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 2 ص 249 .